لقد اعتاد صانعو السياسات في الولايات المتحدة الأميركية على القول أنّ لا حل عسكرياً للصراع السوري، سواء قبل الاتفاق النووي أواثناء المفاوضات أوبعدها، إلاّ أن الوقائع الميدانية غالبا ما كانت ترجح هذا الحل، بحيث تحوّل النظام إلى بقايا دولة صغيرة يحميها "حزب الله" على ساحل البحر المتوسط، وهي ستكون على الأرجح منعدمة الاستقرار وغير قادرة على الصمود، كما يراه جيفري وست، وهو ضابط كبير سابق لشؤون الاستخبارات الاميركية.
ووفق هذه النظرية سوف تنتج التطورات العسكرية وضعاً سياسياً جديداً في سوريا يحتاج المنتصرون فيه، الذين لن يكون الرئيس بشار الأسد من بينهم على الأرجح، إلى ترتيبه. ويصعب تحديد ماهيّة هذا الوضع السياسي، لكنّه سيكون بالتأكيد معقّداً، وعلى الأرجح عنيفاً.
ووفق بعض المصادر السياسية المتابعة لملف المفاوضات النووية وما نتج عنها أن الوضع في سوريا سيستأثر باهتمام معظم المتعاطين بهذا الملف، وبالاخص القطبين الأساسيين، أي واشنطن وموسكو، وفق تفاهمات قد يصح فيها القول أنها كانت تجري بالتوازي مع المفاوضات النووية، ومن تحت الطاولة، بحيث أن الادارة الاميركية سلّمت بنظرية تلزيم الوضع السوري لروسيا، من ضمن سلّة تفاهمات تحفظ مصالح الدولتين العظمتين في المنطقة.
من هنا أتى التحرك الروسي الأخير على خلفية ايجاد تسوية للأزمة السورية تكون شبيهة إلى حدّ ما بتسوية اتفاق الطائف الذي أنهى الحرب في لبنان، بحيث لا يكون للرئيس السوري بشار الأسد دور رئيسي في الحل المقترح الذي يقضي بانتاج سلطة جديدة من خلال انتخابات تشريعية جديدة وتشكيل حكومة تضم جميع الافرقاء السوريين وتحجيم الدور الرئاسي.
وعليه، كما ترى المصادر عينها، كان التحرك الروسي في المنطقة، وبالأخص في المملكة العربية السعودية، للبحث في تفاصيل مرحلة ما بعد الأسد، والدور الايراني في سوريا وضرورة تحجيمه، في المراحل اللاحقة، وهو مطلب أميركي – سعودي، إلاّ أن ذلك يتماشى مع طبخة متكاملة تمتد من اليمن إلى سوريا مروراً بالعراق ووصولاً إلى ليبيا، وحتى المياه الدافئة بالنسبة إلى كل من طهران وموسكو.
إلاّ أن هذه السيناريوهات لن تكون في متناول التداول العملي والقريب العاجل، وهي متلازمة مع التطورات العسكرية، وبالأخص لجهة التناغم الاميركي – الروسي على خلفية حصر أضرار تمدّد تنظيم "داعش" في كل من سوريا والعراق، بعدما دخل العنصر التركي بقوة على خط منع "سسبكة" جديدة للمنطقة.
وبالتوازي يجري الحديث حول تنشيط الاتصالات الديبلوماسية بين الرياض وطهران، بحيث يُعطى للمملكة العربية السعودية أدوار معينة، سواء في سوريا أو في اليمن، وقد بدأت مفاعيلها تظهر إلى العلن في عدن، بضغط أميركي غير ظاهر.
وعليه، تقول تلك المصادر، يقف الوضع اللبناني على قارعة الانتظار، وفق نظريتين، تقول الأولى أن بداية الحلحلة الداخلية تبدأ طلائعها بعد منتصف أيلول، فيما تقول النظرية الثانية بأن الورقة اللبنانية هي الورقة الأخيرة في روزنامة الاستحقاقات الاقليمية، انطلاقاً من أن ايران تعتبر هذه الورقة هي الأقوى بين مجموعة الأوراق التي في متناولها، وهي على غير استعداد للتنازل عنها بسهولة فبل أن تعرف موقعها في التركيبة الاقليمية.
وترجّح هذه المصادر ألاّ تشهد الساحة اللبنانية حراكاً مثمراً في القريب العاجل قبل أن تتضح معالم الحركة الاقليمية.
("لبنان 24")