عندما سُئل المتحدِّث الرئاسيّ الروسيّ ديميتري بيسكوف اليوم الثلاثاء عمّا إذا كان يعتقد بأنّ الولايات المتّحدة الأميركيّة ستلجأ إلى استخدام القوّة ضدّ نظام الرئيس السوريّ بشّار الأسد، وفقًا لما يُشاع في الوقت الراهن حول هذا الاحتمال، فإنّه سارع إلى التعبير عن أمله في عدم القيام بأيِّ تصرّفاتٍ من شأنها أن تزيد من انتهاك القانون الدوليّ، مؤكِّدًا على أنّ أيَّ استنتاجاتٍ بخصوص استخدام الأسلحة الكيميائيّة في سوريا "يمكن أن تصدر فقط عن مجموعةٍ دوليّةٍ بعد إجراءِ تحقيقٍ نزيهٍ في هذه الحالات"، الأمر الذي يعني في المحصِّلة النهائيّة أنّ الحجج التي تُسوَّق في تصريحاتِ عددٍ من المسؤولين الأميركيّين من أجل تبرير الضربة العسكريّة المحتمَلة، عن طريق توجيهِ اتّهاماتٍ لدمشق بالضلوع في شنِّ هجماتٍ كيميائيّة، ستبقى مفتقرةً للصدقيّة في ظلّ عدم فتحِ تحقيقٍ دوليٍّ، ناهيك عن أنّ وزارة الدفاع الروسيّة كانت قد وصفت تلك الاتّهامات في أكثر من مناسَبةٍ بأنّها تقوم على شائعاتٍ تنقلها مواقع التواصل الاجتماعيّ ولا توجد أدلّة على حقيقتها.
وعلى رغم أنّ إجابة بيسكوف المقتضبة عن السؤال لم تحمل تأكيدًا قاطعًا حول ما إذا كانت موسكو تضع في حساباتها فرضيّة حصول الضربة الأميركيّة بالفعل أم لا، بمعنى أنّه ترك الأمر خاضعًا لمزاجيّة التكهُّنات، فإنّ ما يعزِّز الاعتقاد بأنّ الأوضاع في سوريا تتّجه صوب الأسوأ، يتمثَّل في أنّ المواقف الصادرة في واشنطن خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية حول الفرضيّة نفسها، كانت في مجملها ضبابيّة ومبهَمةً، ولا سيّما بعدما اكتفى المتحدِّث باسم البنتاغون أدريان رانكين البارحة بالردّ على ما نشرته صحيفة "واشنطن بوست" مؤخَّرًا عن أنّ إدارة الرئيس دونالد ترامب تدرس في الوقت الحاليّ عددًا من الخيارات العسكريّة ضدَّ سوريا، بحجّة استخدام الجيش السوريّ للأسلحة الكيميائيّة، قائلًا إنّ وزارة الدفاع "لا تناقش بصورةٍ عامّةٍ خططًا مستقبليّةً في هذا الشأن"، علمًا أنّ الصحيفة كانت قد نقلت عن مصادر في الإدارة الأميركيّة أنّ الرئيس ترامب ناقش هذه الخيارات مع كلٍّ من رئيس هيئة الأركان جون كيلي ومستشار الأمن القوميّ هربرت ماكماستر ووزير الدفاع جيمس ماتيس، قبل أن يصدر نفيٌ بخصوص مشاركة الأخير في الاجتماع، وهو النفي الذي لم يتضمّن أيَّ إشارةٍ إلى ما سبق لمسؤولٍ أميركيٍّ آخَر أن صرَّح به عندما قال إنّ "ماتيس عازمٌ على القيام بردٍّ عسكريٍّ على التقارير التي تشير إلى استخدام الأسلحة الكيميائيّة" في سوريا.
علاوةً على ذلك، فإنّ تضارب المعلومات حول ما إذا كان الرئيس ترامب قد رفض توجيه الضربة بشكلٍ قاطعٍ أم لا، ساهم بدوره في إحاطة الموقف برمتّه بالمزيد من الضبابيّة، وذلك بالنظر إلى أنّ ثمّة من يقولون إنّه لم يوافق، ولكنّه أوصى المسؤولين في إدارته بمواصلة مراقبة الوضع، الأمر الذي يعني في إطار ما يعنيه أنّ الفرضيّة ما زالت قائمة، وبالتالي، أنّها أصبحت خاضعةً أيضًا لمزاجيّة التكهُّنات.
على هذا الأساس، ومع الأخذ في الاعتبار أنّ المتحدِّث الرئاسيّ الروسيّ ديميتري بيسكوف أكَّد في تصريحاته اليوم على أنّ استمرار اتّهام السلطات السوريّة باستخدام أسلحةٍ كيميائيّةٍ لا يعدو عن كونه أكثر "استفزازاتٍ وتلميحاتٍ فارغةٍ"، ولا سيّما بعدما كانت منظّمة حظر انتشار الأسلحة الكيميائيّة قد تحقَّقت بنفسها من قيام سوريا بتدمير كلّ ما تمتلكه من هذه الأسلحة، تمامًا مثلما تحقَّقت منه روسيا أيضًا، يُصبح في الإمكان القول إنّ ما جاء على لسان الرئيس الأسد عندما تحدَّث في مناسباتٍ سابقةٍ عن أنّ الملف الكيميائيّ في بلاده هو "ابتزاز غربيّ"، قد يكون التوصيف الأكثر بلاغةً للعبير عن الحالة الأميركيّة – السوريّة الراهنة، الأمر الذي يفسِّر سبب التناقض الحاليّ في المواقف المعلَنة وغير المعلَنة بين البيت الأبيض والبنتاغون، علاوةً على أنّه يفسِّر في المقابل سبب عدم وجودِ رغبةٍ في الولايات المتّحدة للتجاوب مع روسيا بخصوص إجراء تحقيقٍ دوليٍّ محايدٍ حول الموضوع.. وحسبي أنّ هذه المؤشِّرات إنْ دلَّت إلى شيىء، فهي تدلّ إلى أنّ حالة الكرّ والفرّ التي تتسيَّد المشهد السوريّ في الوقت الحاليّ ستواصل تفاعلها على مقياس الخطورة إلى أمدٍ بعيدٍ مفتوحٍ على كافّة الاحتمالات الصعبة.. وما على السوريّين إلّا الصبر واليقين.