طوَت اميلي نصرالله أمس الثلثاء صفحة الحياة، لكنّها فتحت باب الخلود في تاريخ الأدب اللبناني والعربي.
إبنة بلدة الكفير الجنوبية ولدت عام 1931، تلقت تعليمها الجامعي في الجامعة الأمريكية في لبنان وحصلت على شهادة الماجستير سنة 1958.
تزوجت إميلي من فيليب نصر الله وأنجبت منه أربعة أبناء: رمزي، مها، خليل ومن، وعملت كروائية، صحافية، كاتبة مستقلة، معلمة، محاضرة، ناشطة في حقوق المرأة.
تدور روايات إميلي نصراللّه حول الجذور العائلية، الحياة في القرية، الاغتراب والهجرة، نضال المرأة في سبيل المساواة والتحرّر، لا سيما حرّية التعبير، الحرب التي عانت ويلاتها، إذ احترق منزلها العائلي، مع كتب لها إبّان الإجتياح الإسرائيلي لبيروت عام 1982.
أول رواية لها نشرت عام 1962 تحمل اسم "طيور أيلول"، وهي التي صنفت ضمن أفضل مئة رواية عربية، وفازت العام 2017 بميدالية غوته 2017، وقد جاء في براءة الميدالية: "إميلي نصرالله إحدى الكاتبات المعروفات في العالم العربي، كتبت للأطفال والكبار وابتكرت لغة شعرية وصفت من خلالها زمن الحرب في لبنان".
تُعتبر "طيور أيلول" من الروايات الأيقونية، فقد كتب عنها المستشرق الهولندي يان بروخمن: "إنها إحدى أفضل الروايات التي كتبت بالعربية وتجمع المؤلفة فيها بين المقدرة الفنية الغنائية في التعبير، وبين الوعي الاجتماعي".
وكتب مخائيل نعيمة قائلاً إنها "معرض فنّي للقرية اللبنانيّة في شتّى مظاهره، وإنها كسب للقصة في لبنان"... كذلك اعتبر الباحث عفيف فراج أن إميلي نصر الله هي شاعرة القرية بلا منازع، "فهي العيون التي تحب الريف بكل جزئياته، وتؤلمها مشكلة الهجرة منه، مشكلة القرية التي تصد أبناءها عن صدرها، وعبثاً يحاولون التشبث بها أو الانتماء الى غيرها من مدن لا يزورها النقاء".
وفي الرواية، تنتقد نصرالله التقاليد والأعراف، انطلاقاً من رفضها لها. تتكلم عن أحلام الشباب، الخروج أبعد من القرية، حلم المدينة، وتقول: "عندما يحلّ أيلول، تاسع أشهر السنة، تمر فوق قريتها أسرابٌ كثيرة من طيور كبيرة الحجم، قوية الجناحين، يعرفها السكان، بطيور أيلول، ويتلفت الناس نحو الفضاء الموشّح ببواكير الغمام، يراقبون الطيور، وفي صدورهم غصّات انفعال. إن هذه الطيور المهاجرة تسجّل نقطة جديدة في دائرة الزمن، ويذكرون أن فصل البرد أصبح على الأبواب. ويقف شيخ في منتصف الطريق يسند ثقله إلى عصا سنديان ويمسح شاربيه، ثم يرسل نظرات متسائلة نحو الطيور، تدغدغ حلماً عزيزاً. وتمسح امرأة يديها المبللّتين بالماء على جانبي ثوبها، وتنفض منديل الرأس لتعيد حزمه من جديد حول شعرها، وتشبع الطيور بنظرات الحنين… ويبقى الحبل موصولاً أياماً تراوح بين الثلاثة والعشرة، ويتناقل القرويون أنباء الطيور الراحلة، وتتلون أحاديثهم بلون جديد يحطم رتابة الحياة البطيئة. وتتابع القافلة سيرها صوب السهول الدافئة في الجنوب، إنها تهرب من أذى الصقيع في البلاد الشمالية… ويبقى طعم الهجر يتململ في أجواء القرية أياماً. إنه يعشش في الكوى، في شقوق السطوح الوطيئة، في المسام الصغيرة بين أوراق الزيتون والسنديان، في دموع تفلت من المآقي، في آهات حرّى تندفع من صدور الأمهات. وكأنما الطيور تشعر بالأشجان التي يثيرها عبورها، وتلقيها مع ظلالها فوق السطوح وبين الأزقة وتتابع رحلتها بصمت. الصمت الحزين، المرفرف في أجواء القرية، ينقل إليها، يعصر وجودها ويخضعها لرهبة السكون".
نشرت إميلي عددا من الروايات والمجموعات القصصية للاطفال وحصلت على جوائز عدة منها جائزة الشاعر سعيد عقل في لبنان وجائزة مجلة فيروز وجائزة جبران خليل جبران من رابطة التراث العربي في أوستراليا وجائزة مؤسسة IBBY العالمية لكتب الأولاد على رواية "يوميات هر".
قلّدها مؤخراً رئيس الجمهورية العماد ميشال عون وسام الارز الوطني، من رتبة كومندور، تقديرا لعطاءاتها الادبية، وقلدها الوسام وزير العدل سليم جريصاتي في منزلها في شارع المكحول في الحمراء.
في كتابها الأخير "الزمن الجميل" قدّمت إميلي مجموعة من الأسماء للقراء، من خلال وجوه قابلتها وحاورتها. هنّ نساء في الأغلب. نساء مناضلات، في المجالين العام والخاص، جهاراً أو صمتًا: من إدفيك جريديني شيبوب، إلى فاطمة السنوسي، وإبتهاج قدورة، ومغنية الأوبرا سامية الحاج، حتى البصّارة فاطمة، ومارتا الطالبة الثمانينية في الجامعة الأميركية.
تعتبر مسيرة إميلي نصرالله مدماكاً مهماً من التجربة الروائية النسائية التي ظهرت في أواخر الخمسينيات وبداية الستينيات من القرن الماضي، وتركت إرثاً أدبياً لبنانياً وقروياً خالداً.