كشفت قضية الفنان زياد عيتاني فيما كشفته، أن الأمور والقضايا والانجازات والتهويلات في لبنان، مهما جرى تسخيفها أو تضخيمها، تبقى وجهة نظر تخفي ألف وجه ووجه. وما ينطبق على العمالة ينسحب حكماً على الارهاب. كلا الأمرين غاية في الفظاعة والجرمية، لكنهما متى استحالا مساحة لتصفية الحسابات أو للاستقواء أو لتضخيم الانجازات أو زيادة المخاوف ونشر الهواجس أضحيا شعاراً ممجوجاً، وهذا لا يعني – استباقاً لأي تأويل غير صحيح – القول بتسويغ العمالة أو تبرير الإرهاب متى كان الجرم متحققاً.
مناسبة الكلام ظهور براءة الشاب عيتاني مما فبرك له، وطريقة تركيب الملف وأبطاله وكل ما رافق هذا الفيلم السيء السيناريو والإخراج على مدى 111 يوماً قضاها مظلوماً في السجن، وأيضاً التذكير بأن هناك من قضى سنوات موقوفاً بتهمة الإرهاب من دون الوصول بملفه حتى الخواتيم، وهؤلاء مما بات يصطلح على تسميتهم "الموقوفون الاسلاميون" يستحقون التفاتة من ضمن قانون العفو العتيد.
منذ فترة يأخذ ملف "الإسلاميين" منحى تصاعدياً غير مسبوق، لم تتعب أمهات وزوجات وبنات وآباء وأخوة من رفع الصوت في اعتصامات جابت غير منطقة من لبنان وأمام سجن رومية، استنكاراً لاستمرار توقيف مئات الشبان دون محاكمة ومكوث مئات آخرين في السجون بأحكام مشددة لا تتناسب مع ظروف وحيثيات الجرائم التي حوكموا على أساسها. يسعى هؤلاء إلى الإفادة من الزمن الانتخابي للضغط باتجاه إنجاز قانون العفو الذي كثر الحديث عنه، وتواترت أنباء بشموله متعاملين مع إسرائيل وتجار مخدرات، لكنهم لا يخفون مخاوفهم من أن يقتصر القانون على أشخاص معينين ويستثني آخرين، بدوافع سياسية أو طائفية أو مذهبية، والمقصود هنا الموقوفين الإسلاميين طبعاً، خصوصاً وأن ملفات بعضهم محالة على المجلس العدلي، كذلك يشتكي هؤلاء من تلكؤ المرجعيات السنية، السياسية والدينية، عن دعم قانون العفو ليصدر بالشكل الذي يرفع الظلامة اللاحقة بهم.
للتذكير فإن من اصطلح على تسميتهم "الموقوفين الإسلاميين" عددهم 1300 شخص، ومن يسمون "المبعدين قسراً"، وهم عائلات عملاء إسرائيل الذين كانوا في جيش لبنان الجنوبي يبلغ عددهم 4859 شخصاً، وهناك آلاف من المطلوبين بجرائم إطلاق نار، وملاحقين بموجب وثائق اتصال وخلاصات أحكام، وتجارة مخدرات قد يشملهم العفو العتيد على أن يستثني بطبيعة الحال الجرائم المحالة على المجلس العدلي، أي جرائم الاعتداء على أمن الدولة، والتفجيرات والاغتيالات السياسية، وكذلك العناصر المتورطة بخطف وذبح جنود الجيش اللبناني في جرود عرسال.
حتى الساعة أفق هذا الملف ما يزال ضبابياً وغامضاً ومحشوراً في بازار الحسابات الداخلي، والتسويق الخارجي تحت عنوان مكافحة الارهاب، لكن تهمة "الارهاب" وفق التوصيف النظري أو الممارسات العملية، لا تنطبق على كثيرين من هؤلاء الموقوفين الذين تثير تهمهم الدهشة والغرابة في آن وهي أمور يعرفها السياسيون وتعرفها كل الجمعيات الحقوقية وكل المهتمين بهذا الملف.
وبرأي متابعين كثراً للملف، إن الشعور بالانكسار السياسي للطائفة السنية الذي ضرب المعادلة الوطنية منذ 2005 وصعود نجم دعاوى مكافحة الارهاب والتطرف ورواجها في التسويق لدى الدوائر الغربية، ساهم في تعاظم هذه المأساة، قبل أن يأتي دور الاستثمار السياسي والانتخابي والذي يبدو أنه لن يفيد أيضاً في ظل الاختلال السياسي المشار إليه!
أكثر من ذلك، إن رمي المئات في السجون بشبهة الظن والشك من دون إصدار أحكام أو تخلية سبيل رتّب كوارث اجتماعية تتمثل بعائلات فقدت المعيل والسند، وأوصل كثيرين إلى الياس والضياع، ونمّى عند آخرين الشعور بالظلم والغبن زيّن لهم مقولات الخروج على الانتظام السياسي والاجتماعي والديني، وجعل من البعض فريسة سهلة على دروب الارهاب الحقيقي. مكافحة الإرهاب ليست إجراءات أمنية وقضائية فحسب، هي أيضاً مندرجات فكرية واجتماعية ودينية وتحتاج كل ما من شأنه أن يشعر هذا الانسان بحقوقه ومواطنيته.
لا جدال في استحقاق أي متورط بجرائم ارهاب أو غيرها للعقاب العادل والمستحق (وخصوصاً من كان متورطاً فعلاً بالإرهاب والقتل والاعتداء على أمن الدولة والجيش)، لكن في لبنان للأمور مائة وجه، وهنا في هذا الملف حيث تغيب المحاكمة أو التحقيق القضائي الشفاف، تفرض المقارنات الطائفية نفسها بملف سبق أن أثار وما يزال أسئلة ومقارنات، وهو ملف المتهمين بالعمالة للعدو الإسرائيلي الذين ينتمون بمعظمهم إلى أبناء مناطق غير إسلامية، وقد تمّ تسريع محاكماتهم وتخفيف عقوباتهم، وبين المعتقلين الاسلاميين بالشبهة وقد قضوا سنوات من دون محاكمة، ثم يتم إنزال أقصى العقوبات بالعديد منهم!
وبعيداً عن مستلزمات الاعتبارات السياسية والانتخابية، وبانتظار مصير قانون العفو، هذا الملف بات ضاغطاً وتشوبه التباسات عديدة تستوجب الذهاب به حتى النهاية ومعالجته بعيداً عن الحسابات والطموحات. ما نحن بصدده يتصل بصون الاستقرار وتحقيق التوازن ونشر العدالة.