سيكون في إمكان القارئ أن يقرأ بقلمه. وقد يحصل أن يكتب بعينين عاشتا للتوّ ذكريات ومحطات ومشاعر وتجارب من جديد. كلّ هذا يحصل في مكان واحد، خارطته كلمات قلب وعقل، وحدوده صفحة بيضاء لا حدود لها! مكانٌ جميل ابتدعه الممثل والكاتب الدرامي رالف معتوق ليكون بمثابة ملتقى وجسر عبور وواحة تفكير وتفاعل وخلق. نتحدث عن كتاب "46" المقرر توقيعه يوم الجمعة في 23 آذار في مدرسة الحكمة – برازيليا في بعبدا.
ليست المرة الأولى التي يخوض فيها معتوق غمار الكتابة إذ سبق وأن كتب فيلمه القصير "12 ساعة" (الذي سيعرض في مهرجان كان السينمائي" عن فئة الأفلام القصيرة). لكنها المرة الأولى التي تنتج كتابته... كتاباً من حبر وورق! الخطوة بحدّ ذاتها تستحق الاهتمام والتقدير ذلك أنّ معتوق الذي تعرّف عليه الجمهور ممثلاً في عدد من المسلسلات التي عرضت على الشاشات المحلية (صمت الحب، سمرا، ورد جوري...) ليس إلا شاباً في مقتبل العمر، لكنه ما زال عصفوراً مغرداً في حدائق الكتب والقراءة، وليس أسير أقفاص السوشيل ميديا وحسب!
في حديث لـ "لبنان24" يتحدث معتوق عن مولوده الجديد الفريد من نوعه إذ يتميّز بفكرة مُبتدعة كانت عملياً الدافع وراء إقدام معتوق على إصدار هذا الكتاب. يشرح أن مشروع الكتاب ولد بطريقة عفوية ومن رحم الحاجة إلى تقديم جديد قد يفيد المتلقي.
كان معتوق قد دأب على ترجمة تجارب شخصية يمرّ بها أو مشاهدات ومراقبات من محيطه إلى خواطر يحتفظ بها لنفسه. خواطر تحاكي مواضيع مختلفة ومتعددة تراكمت أمام عينيه فقال: "ولم لا أجمعها في مكان واحد أشاركه مع الآخرين، إنما بطريقة غير أنانية؟". وذات مرّة نشر خاطرة أو اثنتين على مواقع التواصل الاجتماعي فقوبل بتفاعل ملحوظ عززّ قرار إصدار كتاب.
كتابٌ أراده معتوق مميّزاً، وإلا فلن يكون. الإضافة فيه تتمثل بالمساحة التي تركها للقارئ كي يعبر فيها عن مشاعره وآرائه بشكل يتيح له خلق علاقة شخصية بينه وبين كتاب "46"، وهو الرقم الذي يمثل عدد الخواطر في داخله.
في عالم السوشيل ميديا والتطبيقات وتغيّر مفهوم المتلقي، يأتي كتاب "46" ليكون تفاعلياً فيحضّ الأفراد على القراءة والكتابة على حدّ سواء.
ومعتوق الذي لا ينفكّ يكرر بأنه "ضيف على عالم الكتابة (لناحية كتابة الكتب)"، يشدد على أنه لو لم تكن هذه الإضافة الجديدة لما تجرأ على إنجاز المشروع. ويشرح أنه فكّر كثيراً في كيفية إفادة القارئ الذي يدعوه إليه هذه المرة بخلاف المشاهد الذي يدخل إلى منزله من خلال الدراما، إلى أن توّصل إلى فكرة ترك صفحة بيضاء مقابل كل صفحة تكسوها الخواطر، لتكون مخصصة للقارئ ليفعل بها ما يريد: قد يرسم عليها، أو يكتب أو يترك علامة ما تحاكي مشاعره إيجابية كانت أم سلبية!"
وردا على سؤال حول عدم اختياره إنشاء صفحة على مواقع التواصل الاجتماعي لنشر هذه الخواطر عوض إنجاز كتاب سيّما وأنه يتكبّد كلّ التكاليف بمفرده ويهتمّ شخصياً بالتفاصيل كافة، أجاب معتوق:" لديّ حنين للكتاب. أنا شخص لا يزال يتردد إلى المكتبات باحثاً عن كتب أقلّب صفحاتها بيدي المحسوستين، كما أني أردت أن أخلق علاقة شخصية بين القارئ والكتاب. صحيح أنه سيبدأ يقرأني أولاً، لكنه سرعان ما سيقرأ نفسه!".
محتوى الكتاب بدوره مميّز. يعتبر معتوق أنه يقدم "46 موضوعاً دفعة واحدة"، ولذلك يتوّقع ردود فعل سلبية وإيجابية على حدّ سواء. الخواطر متنّوعة وتحاكي حالات وتجارب ومشاعر مختلفة. اللافت أن معتوق تطرّق إلى مواضيع يستحيل أن يعايشها شخصياً. مثال على ذلك موضوع العقم واستمرارية الحياة من دون أولاد، وفي هذه الخاطرة يتحدث معتوق بلسان سيدة لم تنجب يوماً.
إذاً، الكتاب يترجم تجارب شخصية ومشاهدات الكاتب وربما فلسفته الخاصة حيال قضايا شتّى. يؤكد أنه واثقٌ من المادة التي قدمها لكنه يعترف بأنه قلق حيال تفاعل الرأي العام معه، "وهذا أمر طبيعي ويحصل حتى عندما أقدم أعمالا درامية. بيد أن رهاني اليوم على الفكرة المبتدعة في مشروع الكتاب".
ولا يخفي معتوق أن موهبته في التمثيل ساعدته على التحدث بلسان الآخر والتعبير عن مشاعره وأحاسيسه. وعندما يُسأل عن أحبّ الخواطر إلى قلبه يسارع إلى الإجابة:": "كلّها من دون استثناء". لكنه سرعان ما يوضح أن الخواطر التي تحاكي الحزن هي ربما الأعزّ. لماذا؟ بكل بساطة لأنه عندما كتبها كان في حال تحد ومواجهة مع ذاك الحزن، فانتصر بالكتابة وارتقى!
إنها دعوة من شاب عصاميّ إلى أبناء جيله. "عصر الانترنت الذي استخدمه شخصيا كثيراً يجب ألا ينسينا خصوصية الكتب ومتعة القراءة".