ربّما كان من غير اللائق حقًّا أن تُسارع قوى المعارضة الروسيّة إلى التشكيك في نتائج الانتخابات الرئاسيّة التي أسفرت نهار أوّل من أمس الأحد عن حصول الرئيس الحاليّ فلاديمير بوتين على أكثر من ستّةٍ وسبعينَ في المئة من أصوات المقترعين، ولا سيّما أنّ هذه النتيجة التي تُعبِّر عن فوزٍ كاسحٍ لم يسبق له مثيلٌ في التاريخ الروسيّ الحديث، وإنْ كانت متوقَّعةً مسبَقًا جرّاء ما أظهرته حصيلة العديد من استطلاعات الرأي الحكوميّة والمستقلّة والأجنبيّة في الآونة الأخيرة، ولكنّ ما يجعل التشكيك فيها بمثابةِ إجحافٍ غيرِ مبرَّرٍ بحقّ الرئيس المنتخَب، يتمثَّل في أنّها جاءت في الأساس كنتيجةٍ منطقيّةٍ ترتكز على رغبةٍ عارمةٍ في أوساط قاعدةٍ شعبيّةٍ لم تكفّ عن الاتّساع باضطرادٍ لصالح هذا الرئيس طيلة السنوات الثماني عشرة الماضية، بدءًا من تسلُّمه مقاليد الحكم على مدى ولايتين متتاليتين بين 2000 و2008، مرورًا بتسلُّمه منصب رئيس الوزراء في عهد الرئيس ديميتري ميدفيديف بين 2008 و2012، ووصولًا إلى ولايته الثالثة بين 2012 و2018 التي فتحت له الباب للتوّ على ولايةٍ رابعةٍ تستمرّ لغاية 2024، وهي الرغبة المستمَدّة بكلِّ تأكيدٍ ممّا عايشه المواطنون الروس من إنجازاتٍ ملموسةٍ قُدِّر لرئيسهم المحبوب أن يحقِّقها لهم في شتّى المجالات المتعلِّقة بظروف حياتهم اليوميّة.
وإذا كان لا شيء أفضل من لغة الأرقام للتعبيرعن هذا الواقع، فإنّ ثمّة تقريرًا تلفزيونيًّا لافتًا تابعتُه البارحة على شاشة قناة "روسيا اليوم" للزميلة أريج محمد يمكن أن يفسِّر الأسباب الحقيقيّة التي تقف وراء تحقيق الفوز الكاسح الأخير بهذه النسبة المئويّة العالية، ولا سيّما إذا أخذنا في الاعتبار أنّ التقرير أشار في البداية إلى نقطةٍ بالغةِ الأهمّيّة تتمايز بها شخصيّة الرئيس بوتين، ومؤدّاها أنّه لم يرغب، كعادته، في إطلاق الوعود يمينًا وشمالًا، وذلك بالنظر إلى أنّ ما تحقَّق لروسيا خلال عهده هو خيرُ متحدِّثٍ عنه، منذ بداية الألفيّة الثالثة ولغاية يومنا الراهن، حيث تمكَّنت البلاد من النهوض مجدَّدًا بهبَّةٍ وطنيّةٍ شاملةٍ لمواجهة أسوأ حالاتها الناجمة عن تداعيات السنوات التسع التي تلت تفكُّك الاتّحاد السوفييتيّ.
وبحسب التقرير، فقد استكمل الاقتصاد الروسيّ تعافيه خلال السنوات الماضية، وفقًا لما تؤشِّر إليه بيانات الوكالات الإحصائيّة، ولا سيّما بعدما انخفضت مديونيّة روسيا الخارجيّة من نحو تسعةٍ وستّين في المئة من الناتج المحلّيّ الإجماليّ عام 2000، أيْ لدى تسلُّم الرئيس بوتين مقاليد الحكم، إلى نحو ثلاثةٍ في المئة فقط عام 2016، الأمر الذي ينطبق على انخفاض معدَّل التضخُّم من أكثر من عشرين في المئة عام 2000 إلى اثنين ونصف في المئة عام 2017، تمامًا مثلما ينطبق أيضًا على معدَّلات البطالة التي انخفضت بدورها من نحو أحد عشر في المئة إلى قرابة الخمسةِ في المئة.
ويشير التقرير إلى أنّ هذا التعافي الاقتصاديّ سرعان ما انعكس على البيانات الديموغرافيّة وتعداد السكّان، حيث دخلت البلاد للمرّة الأولى منذ عام 1991 في طور النموّ السكّانيّ الطبيعيّ بنحو خمسةٍ وعشرينَ ألفَ نسمةٍ، الأمر الذي يتّضح أكثر عندما نعرف أنّه إذا كانت نسبة العائلات التي لديها ولدان عام 2000 لا تتجاوز التسعة والعشرين في المئة، فإنّ هذه النسبة ارتفعت عام 2016 إلى نحو واحدٍ وأربعينَ في المئة.
على هذا الأساس، وبالنظر إلى أنّ الرئيس بوتين سارع إلى التأكيد في أعقاب الإعلان عن فوزه أنّ عمليّات تطوير البنية التحتيّة وقطاعيْ التعليم والصحّة وزيادة الدخل ستُوضع على رأس قائمة أولويّاته خلال ولايته الرئاسيّة الرابعة، موضحًا أنّ الاستقرار الذي تحقَّق لا يُفترَض أن يؤدّي إلى الاستكانة، فإنّ أولويّات المواطنين الروس في المقابل، وفقًا لما نقله تقرير قناة "روسيا اليوم" عن بيانات "المركز الروسيّ لدراسة الرأي العامّ"، تتركَّز حاليًّا في المرتبة الأولى على مشكلات الصحّة بنحو ثلاثين في المئة، تليها مشكلات التعليم بنحو تسعةٍ وعشرينَ في المئة، ومن ثمّ انخفاض المستوى المعيشيّ والرواتب بنحو عشرينَ في المئة.
وإذا كانت هذه البيانات قد أظهرت أيضًا أنّ نسبة المطالبين بمعالجة ملفّ الفساد لا تتجاوز العشرة في المئة فقط، فإنّ هذا الأمر لا بدَّ من أن يُسجَّل باعتباره من بين أهمّ الإنجازات التي تمكَّن الرئيس بوتين من تحقيقها خلال سنوات حكمه، وخصوصًا إذا أعدنا للذاكرة، وبلغةِ الأرقام، أنّ فساد الأوليغارشيّة المتوحِّشة الذي استشرى في المؤسّسات الروسيّة طيلة تسعينيّات القرن الماضي، أيْ بعد تفكُّك الاتّحاد السوفييتيّ، كان قد أدّى في سياق عمليّات الخصخصة والنهب وسوء الإدارة إلى تكبيد خزينة الدولة خسائرَ ماليّةٍ فاقت قيمتها الثلاثة تريليونات دولارٍ أميركيّ، ناهيك عن أنّه أوصَل الغالبيّة العظمى من المواطنين الروس، ولو إلى حينٍ، إلى ما دون خطّ الفقر.. وحسبي أنّ هؤلاء المواطنين هم الذين يثمِّنون للرئيس بوتين أكثر من غيرهم بكثيرٍ أنّه أعاد إليهم هيبتهم من خلال استعادة هيبة بلادهم، وهي الهيبة التي إذا ما أضفنا إلى بُعدِها الاقتصاديّ الآنف الذكر بُعديْها السياسيّ والعسكريّ في المجالات المحلّيّة والإقليميّة والدوليّة، فإنّنا سنتوصَّل بكلِّ سهولةٍ إلى قناعةٍ مؤدّاها أنّ لا غرابةَ على الإطلاق في أن يحصل صانع هذه الإنجازات الكبرى على أكثر من ستّةٍ وسبعينَ في المئة من أصوات الناخبين، حتّى ولو شكَّك المشكِّكون.. والخير دائمًا من وراء القصد.