ما توحي به الإستعدادات اللوجستية وتسارع الأفرقاء السياسيين على تشكيل لوائحهم وعقد تحالفاتهم قبل السابع والعشرين من الجاري يشي بأن الإنتخابات النيابية حاصلة، وبقوة، في 6 أيار، من دون أن تتأثر التحضيرات المتسارعة وتيرتها لخوض معركة إثبات الوجود بما يُحكى عن إحتمال عدم إجرائها وتأجيلها، وذلك بسبب كثرة المعلومات المتداولة عن إمكانية نشوب حرب واسعة تمتد من جنوب لبنان وصولًا إلى إيران، ومحاولة ادارة الرئيس الاميركي دونالد ترامب، بالتعاون مع اسرائيل، القيام بحرب شاملة تتركز على دمشق والجنوب اللبناني بهدف فرض اعادة رسم خارطة جديدة في المنطقة بعد إحتدام الصراع الأميركي – الروسي، وباشكال مختلفة، عقب تجديد ولاية الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لست سنوات مقبلة، وإنخراطه أكثر فأكثر في الحرب السورية، مع ما حقّقه التدخل الروسي من تقدم ميداني تمثّل مؤخرًا بسيطرة النظام السوري على الغوطة الشرقية.
فبعد الهجوم الكيماوي في إدلب قام ترامب في بداية عهده بتوجيه ضربة بحوالي 60 صاروخا على مطار الشعيرات، القاعدة الجوية للجيش السوري، وذلك لكي يظهر بأنه لن يكون مثل سلفه الرئيس باراك أوباما، الذي اكتفى بتوجيه "ضربة محدودة" في الزمان والمكان تهدف إلى شل قدرات النظام السوري على استخدام السلاح الكيماوي، الذي قال إنه استخدمه "ضد شعبه وأدى لمقتل أكثر من ألف إنسان".
وما لم يفعله أوباما فعله ترامب فكانت ضربته محدودة في "المكان والزمان"، فظهر أقله في عيون الأميركيين بأنه الرئيس الذي يهدّد وينفذ، إلاّ أن هذه الضربة كلّفت الرئيس الأميركي كثيرًا على مستوى المنطقة، بحيث دخلت روسيا على الخط ورسمت "خطًا أحمر" فرض على ترامب بعدم تخطيه، وإلاَ تبدأ المواجهة بين روسيا والولايات المتحدة، على رغم إتصال التهنئة الذي أجراه ترامب ببوتين.
ولأن اللعب بالتوازنات في المنطقة ممنوع على أيٍ كان فإن أي ضربة وشيكة تلوّح بها أميركا لا تبدو مهيأة لها ظروف نجاحها، خاصة أن روسيا لن تقف مكتوفة أمام أي عدوان من شأنه إعادة رسم جديد لخارطة المنطقة، وكان للجانب الروسي رسائل عدة في الايام الماضية، منها استعداده للذهاب الى أبعد مدى في مواجهة أي عدوان قد تتعرض له دمشق من قبل الولايات المتحدة الاميركية.
وقد تكون تجربة إسقاط طائرة "الفانتوم" الاسرائيلية نموذجاً صغيراً لما يمكن ان تقوم به روسيا حيال أي مغامرة اميركية في المنطقة.
أما في ما يتعلق بحصة لبنان من هذه التهديدات، وبالأخص الإسرائيلية، التي لم تتوقف يومًا، فإن استقراره حتى هذه الساعة لا يزال حاجة أميركية وأوروبية ودولية لاسباب عديدة منها قضية النازحين السوريين التي تشكل عنصرا اساسياً في رغبة المجتمع الدولي في المحافظة على هذا الاستقرار.
كذلك فان عدم استقرار لبنان واستهدافه يشكلان تهديداً مباشراَ لامن اسرائيل التي تدرك جيداً حجم الثمن الذي ستدفعه اذا ما اقدمت على مغامرة الحرب.
وعلى هذا الأساس، تبدو مسألة نسف الإنتخابات في موعدها المقرر في 6 ايار في ميزان الإحتمالات أقل ترجيحًا، إذ تؤكد معلومات متقاطعة بين الأجهزة الأمنية وبعض التقارير الديبلوماسية ذات المنحى التحليلي المستند إلى بعض المعلومات، فإن هذه الإنتخابات حاصلة في موعدها، من دون إغفال تأثير العوامل المباغتة، إذ لا يمكن لأحد تخيّل ما يمكن أن يقدم عليه ترامب من خطوات مفاجئة، قد يكون لها مفاعيل إرتدادية على الوضع اللبناني الداخلي.