على رغم كافّة علامات الاستفهام التي ارتسمت منذ عشرةِ أيّامٍ حول مدى أحقيّة رئيسة الوزراء البريطانيّة تيريزا ماي في توجيه الاتّهام لروسيا بشأن الضلوع في عمليّة تسميم العقيد السابق في الاستخبارات الروسيّة سيرغي سكريبال وابنته يوليا بغاز الأعصاب في مدينة سالزبوري يوم الرابع من شهر آذار الجاري، وما ترافق مع هذا الاتّهام من توتُّرٍ شديدٍ وغيرِ مسبوقٍ في تاريخ العلاقات الديبلوماسيّة بين لندن وموسكو منذ زمان الحرب الباردة، فإنّ المواقف الضبابيّة التي عبَّر عنها وزير الخارجيّة البريطانيّ بوريس جونسون نهار أمس الأربعاء خلال جلسةِ استماعٍ أمام لجنة الشؤون الخارجيّة في مجلس العموم، عندما قال إنّ بلاده "لا تريد حربًا باردةً جديدةً مع روسيا" ولكنّها تعتقد أنّ "فلاديمير بوتين يريد أن يُسبِّب المشاكل حيثما يستطيع"، سرعان ما دلَّت إلى وجودِ نزعةٍ ضمنيّةٍ تستهدف إبقاء الاتّهام المذكور معروضًا للمراهنة عليه في بازارات المواقف الأميركيّة والأوروبيّة المتعلِّقة بردود الأفعال المتواصلة على عمليّة التسميم، ولا سيّما بعدما تزامَنت هذه المواقف مع الكشف عن معلوماتٍ مؤدّاها أنّ بريطانيا تعتزم السعي خلال الساعات المقبلة لإقناع دول الاتّحاد الأوروبيّ بأن تحذو حذوّها في مجال الإقدام على طرد الديبلوماسيّين الروس بشكلٍ شاملٍ، وهي النزعة التي تبدو كافيةً في هذه الأثناء للدلالة إلى أنّ التوتُّر وحده هو الذي سيتسيَّد مشهد العلاقات الروسيّة – الغربيّة على المدى المنظور.
وإذا كانت التقديرات حول منسوب خطورة ما قد يُفضي إليه هذا التوتُّر ستبقى خاضعةً لمزاجيّة الاحتمالات والتكهُّنات إلى حين ظهور النتائج الأوّليّة لتحقيقات منظّمة حظر انتشار الأسلحة الكيميائيّة بخصوص ملابسات تسميم سكريبال وابنته في غضون الأسبوعيْن المقبليْن، فإنّ الشكوك حول مدى صدقيّة الرواية البريطانيّة المعلَنة عن الحادث، وما إذا كانت تندرج في سياقِ حملةٍ دعائيّةٍ غربيّةٍ ممنهَجةٍ تستهدف الإساءة إلى سمعة روسيا في المحافل الدوليّة أم لا، ستبقى في الموازاة شكوكًا مشروعةً حتّى إشعارٍ آخَر، ولا سيّما إذا أخذنا في الاعتبار أنّ هذه الرواية بُنيت منذ البداية على مجرَّدِ تخميناتٍ مؤدّاها أنّ "الدولة الروسيّة متورِّطةٌ على الأرجح في عمليّة التسميم"، حسب ما جاء حرفيًّا على لسان السيّدة ماي لدى إعلانها عن فحوى الاتّهام المذكور أمام أعضاء مجلس العموم البريطانيّ.
خيانة سكريبال
على هذا الأساس، وبغضّ النظر عمّا عكسته طريقة توجيه الاتّهام بحدِّ ذاتها من غرابةٍ جرّاء قيام البريطانيّين بالقفز فوق كافّة الأعراف القانونيّة القائلة بأنّ المتّهَم بريءٌ إلى أن يثبُت العكس، وخصوصًا بعدما افتقرت روايتهم الرسميّة إلى أيِّ إشارةٍ من شأنها أن تحفظ لهم "خطّ الرجعة" إذا ما أظهرت التحقيقات عدم صحّة تخميناتهم وترجيحاتهم، بمعنى أنّهم لم يتحدَّثوا لا من قريبٍ ولا من بعيدٍ عن أيِّ فرضيّةٍ بشأن احتمالات ظهور براءة الدولة الروسيّة، فإنّ ما يعزِّز الاعتقاد بوجود الحملة الدعائيّة الغربيّة الممنهَجة ضدّ روسيا، يتمثَّل في قيام أقطاب المنظومة الإعلاميّة الغربيّة، ومن ورائهم ببّغاءاتهم العرب وغير العرب، بالقفز فوق العديد من نقاط الضعف التي من شأنها أن تجعل الرواية البريطانيّة رخوةً وغيرَ مكتمِلة العناصر، سواءٌ من حيث التوليف أم من حيث التسييس، ولا سيّما إذا أعدنا للذاكرة أنّ سيرغي سكريبال كان قد اعتُقل في روسيا عام 2004 على خلفيّة تورُّطه بالتجسُّس لصالح جهاز الاستخبارات البريطانيّة، وحُكِم عليه بعد سنتين بالسجن لمدّة ثلاثة عشر عامًا إثر إدانته بالخيانة وكشف أسرار الدولة وتسليم مشغِّليه قائمةً بأسماءِ عشرةٍ من رجال الاستخبارات الروسيّة العاملين في المملكة المتّحدة مقابل حصوله على مبلغٍ يُقدَّر بنحو مئةِ ألفِ دولارٍ أميركيّ، قبل أن يُصار إلى الإفراج عنه بموجبِ عفوٍ رئاسيٍّ في عهد الرئيس ديميتري ميدفيديف عام 2010، وذلك في إطار أكبر صفقةٍ لتبادل الجواسيس بين الغرب وروسيا منذ نهاية الحرب الباردة، وهي الصفقة التي اشتملت على قيام الجانب الروسيّ بالإفراج عن أربعةٍ من الجواسيس الغربيّين المحتجزين لديه، من بينهم سكريبال، مقابل الإفراج عن عشرةٍ من الجواسيس الروس الذين كانوا قيد الاعتقال في الولايات المتّحدة الأميركيّة.
السوابق الروسيّة
هذا الكلام، وإنْ كان لا ينطوي على أيِّ نيّةٍ في استباقِ نتائجِ تحقيقاتٍ يُقال إنّها جاريةٌ على قدمٍ وساقٍ لمعرفة الملابسات المحيطة بمحاولة اغتيال سيرغي ويوليا سكريبال بغاز الأعصاب في مدينة سالزبوري البريطانيّة قبل قرابة الثلاثة أسابيع، ولكنّ الغرض من وراء استحضاره يتمثَّل في وجوب الإضاءة على بديهيّةٍ مؤدّاها أنّ الدولة الروسيّة، لو كانت تستشعر بالفعل أنّ هذا "الجاسوس – الخائن" لا يزال يشكِّل خطرًا على أمنها القوميّ، لما كانت قد أفرجت عنه قبل ثمانيةِ أعوامٍ في الأصل، وبالتالي، لما كانت قد انتظرت كلّ هذه الفترة من أجل العمل على محاولة تصفيته، الأمر الذي يجسِّد في نهاية المطاف إحدى أبرز نقاط الضعف في الرواية الرسميّة البريطانيّة، ولا سيّما إذا أضفنا إلى ما تقدَّم أنّ التركيز الإعلاميّ الغربيّ الذي يبدو مقصودًا، عن سوءِ نيّةٍ، على الربط ما بين حادثة التسميم الأخيرة من جهةٍ، وما بين ظروف مقتل كلٍّ من الضابط السابق في جهاز الأمن الفيديراليّ الروسيّ ألكسندر ليتفينينكو بتاريخ الثالث والعشرين من شهر تشرين الثاني عام 2006 والملياردير الروسيّ – الإسرائيليّ بوريس بيريزوفسكي بتاريخ الثاني والعشرين من شهر آذار عام 2013 في لندن من جهةٍ أخرى، عن طريق الإيحاء بأنّه يندرج في سياق السوابق الروسيّة في مجال اغتيال المعارِضين، إنّما يجسِّد بدوره المزيد من نقاط الضعف في روايةٍ بريطانيّةٍ ساذجةٍ تبدو وكأنّها أشبه ما تكون إلى "فيلمٍ جيمسبونديٍّ" سيّىء الإنتاج والإخراج على حدٍّ سواء.
القطبة المخفيّة
ولكي تتّضح الصورة أكثر، فلربّما كان من المفيد التذكير هنا بما كنتُ قد أشرتُ إليه في كتابي الصادر عام 2015 تحت عنوان: "البوتينيّة – أسس العقيدة السياسيّة الروسيّة الحديثة"، وخصوصًا عندما تحدَّثتُ عن أنّ ليتفينينكو كان أوّل من فضح سرَّ الاتّصال الهاتفيّ الذي أجراه بيريزوفسكي مع الزعيم الشيشانيّ مولادي أودوغوف في منتصف عام 1999، حيث تمّ ترشيح اسم القائد المتطرِّف شامل باساييف للعب دورٍ عسكريٍّ كبيرٍ في شمال القوقاز، قبل أن يعترف بيريزوفسكي نفسه لاحقًا بأنّه قام بتمويل عمليّة دخول باساييف وابن الخطّاب على رأس ثمانمئةِ "مقاتلٍ جهاديٍّ" إلى جمهوريّة داغستان في الربع الأخير من العام نفسه، أملًا في جرِّ القوّات الروسيّة إلى حربِ استنزافٍ طويلةِ الأمدِ في الشيشان، بما يضمن الإبقاء على ديمومة امبراطوريّته الماليّة، وبالتالي، بما يوفِّر شروط قطع الطريق أمام فرص وصول فلاديمير بوتين الذي كان لا يزال رئيسًا للوزراء في عهد الرئيس الراحل بوريس يلتسين إلى قصر الكرملين، ولا سيّما بعدما كانت المؤشِّرات قد دلَّت وقتذاك إلى أنّ أولى مهامّ "العهد البوتينيّ" ستتركَّز على محاربة فساد الأوليغارشيّة المتوحِّشة التي لا يختلف اثنان من المتابعين للشأن الروسيّ على أنّ بيريزوفسكي كان من أبرز أقطابها، الأمر الذي يعني في المحصِّلة النهائيّة أنّ ظروف مقتل الرجليْن في لندن، أيْ ليتفينينكو وبيريزوفسكي، قد تكون ناجمةً عن صراعٍ بين أجهزةٍ سياسيّةٍ أو استخباراتيّةٍ أجنبيّةٍ كانت تقف وراءهما، بحيث لا علاقة للدولة الروسيّة بالأمر ولا من يحزنون.
من هنا، وبالنظر إلى أنّ مصطلح "على الأرجح" غالبًا ما ظلّ حاضرًا على الدوام في لغة التخاطُب البريطانيّة مع العالم لدى توجيه الاتّهامات لروسيا، من دون تقديمِ دليلٍ حسّيٍّ واحدٍ على صحّة تلك الاتّهامات، يُصبح في الإمكان القول إنّ ما نشهده في هذه الأيّام من كرٍّ وفرٍّ في العلاقات الغربيّة – الروسيّة على خلفيّة تداعيات قضيّة تسميم سكريبال وابنته، لا يعدو عن كونه، على الأرجح، مجرَّد حملةٍ دعائيّةٍ مؤقَّتةٍ تستهدف التستُّر على قطَبٍ مخفيّةٍ سابقةٍ لا أكثر ولا أقلّ.. وحسبي أنّ تجارب الماضي علَّمتنا أنّ الحملات التي تفتقر إلى الحدّ الأدنى من مقوِّمات النزاهة والصدقيّة لا تدوم.