استكمالًا لما كنتُ قد بدأتُه البارحة في سياق الحديث عن مسلسل التضليل البريطانيّ: بين سيرغي سكريبال وسعاد حسني على أساس الفرضيّات القائلة بأنّ الاتّهامات الموجَّهة لروسيا بالتورُّط في ما بات يُعرف منذ الرابع من شهر آذار الجاري بـ "قضيّة سالزبوري"، وبعدما خلُصنا إلى أنّ المحقِّقين اللندنيّين قرّروا إغلاق ملفّ "حادثة انتحار" ساندريلا الشاشة العربيّة الراحلة بعد مرور قرابةَ الخمسِ ساعاتٍ فقط على وقوعها، واعتبارها بمثابة "قضيّةٍ غيرِ مثيرةٍ للشبهات" على رغم كافّة العوامل التي رجَّحت يومذاك أنّها كانت "جريمة قتل"، فقد حدَث وأن توقَّفتُ لدى عودتي إلى المنزل في المساء أمام لوحةٍ حديديةٍ مربَّعةٍ وضعَتها دائرة الـ "ميتروبوليتان بوليس" فوق أحد أرصفة المشاة في إحدى المناطق السياحيّة الراقية بين "لانكستر غيت" و"كوينز واي"، وكُتب عليها باللغات الإنجليزيّة والفرنسيّة والإيطاليّة والإسبانيّة والعربيّة ما حرفيّته: "احترس.. النشّالون نشطون في هذه المنطقة"، بغية القيام بواجب تحذير الناس من مخاطر آفة السرقة الضاربة أطنابها بشدّةٍ في المجتمع البريطانيّ، وهي اللوحة التي سيُقدَّر لي أن أستخدِم صورها لاحقًا في تقريرٍ تلفزيونيٍّ حول ردود الأفعال في الشارع البريطانيّ على هجمات الحادي عشر من أيلول عام 2001 في الولايات المتّحدة الأميركيّة، حتّى وإنْ كان التحذير بحدِّ ذاته يحمل تلك السمة الفكاهيّة التي ينطبق عليها المثل القائل: "شرُّ البليّة ما يُضحك".
وإذا كانت "حادثة انتحار" أو "جريمة قتل" سعاد حسني قد وقعت بعد مرور بضعةِ أيّامٍ على إعادة انتخاب رئيس الوزراء البريطانيّ طوني بلير لولايةٍ جديدةٍ في "عشرة – داونينغ ستريت" في شهر حزيران عام 2001، وعلى رغم عدم وجود أيِّ ترابُطٍ بالطبع بين هذا وذاك، فإنّ الغرض من الإشارة إلى هذا التوقيت يتمثَّل في أنّه جاء قبل قرابةَ شهرٍ واحدٍ فقط من موعد الزيارة الرسميّة الأولى التي قام بها الرئيس الأميركيّ جورج دبليو بوش لبريطانيا، ولا سيّما أنّ التحضيرات لما سبق هذه الزيارة، والتسريبات حول ما جاء بعدها، حملت في طيّاتها الكثير من الموادّ الإعلاميّة التضليليّة الهادفة، وهي الموادّ التي سرعان ما انتعش سوقها بشكلٍ مثيرٍ بعد قرابةَ الشهرين على خلفيّة هجمات الحادي عشر من أيلول على برجيْ مركز التجارة العالميّ في نيويورك ومقرّ البنتاغون في واشنطن، وتحديدًا بعدما كُشف النقاب في اليوم نفسه عن اتّصالٍ هاتفيٍّ مفاجىءٍ أجراه مسؤولٌ بارزٌ في وكالة المخابرات المركزيّة (سي آي إي) مع مسؤولةٍ بارزةٍ في جهاز الاستخبارات الخارجيّة البريطانيّة (إم آي 6) من أجل "مناقشة الخطوات الواجب اتّباعها لضمان التنسيق الكامل بين الجانبين في مجال التمهيد إعلاميًّا لحملةٍ عسكريّةٍ كبرى تعتزم الولايات المتّحدة شنّها في إحدى دول وسط آسيا"، وذلك بينما كانت الرواية الرسميّة الأميركيّة حول تحديد هويّة الجهة المتورِّطة في تنفيذ الهجمات لا تزال متأرحجةً يومذاك ما بين توجيه الاتّهام للجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين – القيادة العامّة وما بين تحميل المسؤوليّة لنظام الرئيس العراقيّ الراحل صدّام حسين.
الهيبة المفقودة
لا شكّ في أنّ حجر الأساس لما بات يُعرف بـ "الشراكة الاستراتيجيّة" بين واشنطن ولندن كان قد وُضِع في الأصل جرّاء اضطرار الرئيس بوش للقيام بزيارته المذكورة لبريطانيا بين يوميْ الثامن عشر والعشرين من شهر تمّوز عام 2001، سعيًا إلى فتحِ نافذةٍ هناك يطلّ منها على بقيّة دول الاتّحاد الأوروبيّ التي كانت غالبيّتها تقف على خطّ معارَضة مشروعه الخاصّ بإقامة منظومة الدرع الصاروخيّة في بولندا ومحطّة الرادار في تشيكيا، الأمر الذي ما لبث أن تحقَّق على أكملِ وجهٍ أثناء لقاء القمّة الذي جمعه مع بلير في القصر الريفيّ لرؤساء الوزراء البريطانيّين في بلدة "تشيكرز"، علمًا أنّ مواقف الأخير كانت متناسقةً للغاية مع مواقف شركائه الأوروبيّين، وبالتالي مع مواقف روسيا، حيال المنظومة الصاروخيّة الأميركيّة باعتبارها تشكِّل انتهاكًا لاتّفاقيّة "إي بي إم" الموقَّعة عام 1972 بين الولايات المتّحدة والاتّحاد السوفييتيّ، ومن شأنها أن تؤدّي إلى إطلاقِ سباقٍ دوليٍّ جديدٍ على التسلُّح.
التفوُّق الروسيّ
وإذا كنتُ قد أشرتُ للتوّ إلى أنّ الرئيس بوش "اضطرّ" للقيام بهذه الزيارة، فمردُّ ذلك هو أنّ المحافظين الجدد المشرفين على تحديد إبرة بوصلة سياساته الداخليّة والخارجيّة، كانوا قد استشعروا خطرًا حقيقيًّا على مصالحهم جرّاء تفوُّق روسيا الملموس في مجال حشد الرأي العامّ العالميّ ضدَّ منظومتهم الصاروخيّة المقترَحة، وهو التفوُّق الذي بدا واضحًا للعيان، قبل إتمام الزيارة بأسابيعَ قليلةٍ فقط، على إيقاع ما حظي به وزير الدفاع الروسيّ إيغور سيرغييف من تصفيقٍ حادٍّ داخل مقرّ حلف شماليّ الأطلسيّ في بروكسل عندما دعا إلى إقامةِ منظومةٍ دفاعيّةٍ أوروبيّةٍ عوضًا عن المنظومة الأميركيّة، ناهيك عن أنّ رئتيْ الاتّحاد الأوروبيّ كانتا لا تزالان تتنفّسان وقتذاك هواءً نقيًّا جرّاء قوّة النبض وحيويّته في جسد ارتصاف القادة الكبار ما بين الرئيس الفرنسيّ جاك شيراك والمستشار الألمانيّ غيرهارد شرودر وما بين الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين، الأمر الذي دفع الأميركيّين إلى إيجاد فرصتهم الوحيدة في النافذة البريطانيّة لكي يطلّوا منها على بقيّة الحلفاء الغربيّين، أملًا في ردِّ الاعتبار لهيبتهم المفقودة، في الداخل والخارج على حدٍّ سواء، ولا سيّما إذا أعدنا للذاكرة أنّ زيارة الرئيس بوش لبريطانيا تمَّت بعدما كانت التجارب الثلاث التي أُجريت على المنظومة الصاروخيّة قد باءت بالفشل، وهو الفشل الذي دفعني إلى عدم التردُّد في القول خلال بثٍّ تلفزيونيٍّ مباشِرٍ من مكان انعقاد قمّة بوش – بلير في بلدة "تشيكرز" ما حرفيّته: "إنّ الرئيس الأميركيّ جاء إلى هنا لكي يسوِّق في أوساط حلفائه الأوروبيّين والأطلسيّين بضاعةً فاسدة".
الدوائر المخترَقة
هذا الكلام، وإنْ كان قد مضى عليه سبعةَ عشرَ عامًا من الزمان، ولكنّ الغرض من استحضاره اليوم يتمثَّل في وجوب الإضاءة على بديهيّةٍ مؤدّاها أنّ الغاية لطالما ظلَّت تبرِّر الوسيلة في سلوكيّات الدول عندما تتعرَّض هيبتها للاهتزاز، حتّى ولو اضطرّها الأمر لإطلاق حملاتٍ دعائيّةٍ ممنهَجةٍ على شاكلة ما نشهده في الوقت الراهن على خلفيّة اتّهام روسيا بالتورُّط (على الأرجح) في قضيّة تسميم العقيد السابق في الاستخبارات الروسيّة سيرغي سكريبال وابنته يوليا بغاز الأعصاب في مدينة سالزبوري البريطانيّة يوم الرابع من شهر آذار الجاري، وما نجم عن هذا الاتّهام المزعوم من عمليّاتِ طردٍ غيرِ مسبوقةٍ في التاريخ الحديث للديبلوماسيّين الروس من عشرات العواصم والمدن الغربيّة، ولا سيّما أنّ البيت في القصيد هنا يتمثَّل في أنّ سيّدة "عشرة – داونينغ ستريت" تيريزا ماي لم تقدِّم لغاية الآن أيَّ دليلٍ حسيٍّ واحدٍ على صحّة اتّهاماتها، كما أنّها ما زالت ترفض مجرَّد الإجابة عن الاستفسارات الروسيّة التي طرحتها موسكو عبْر القنوات الرسميّة حول بعض ملابسات قضيّة التسميم، الأمر الذي يشكِّل في نهاية المطاف انتهاكًا صارخًا لكافّة الأعراف الديبلوماسيّة المعمول بها في الدول المتحضِّرة، تمامًا مثلما يعزِّز الشكوك في الموازاة حول مشروعيّة وأحقيّة ونزاهة الحرب الديبلوماسيّة الأميركيّة – الأوروبيّة – الأطلسيّة الموجَّهة ضدّ روسيا بكلّ تأكيد.. وحسبي أنّ الدوائر السياسيّة البريطانيّة، وليس الدوائر الأمنيّة فقط، باتت مخترَقةً أكثر من أيِّ وقتٍ مضى منذ زمان هجمات الحادي عشر من أيلول عام 2001، وإلّا، لما كنتُ قد طلبتُ من مصوِّري وقتذاك أن يركِّز عدسة الكاميرا على تلك اللوحة الحديديّة الموضوعة على الرصيف بين "لانكاستر غيت" و"كوينز بارك" والتأهُّب لمواكبة إحدى سيّارات الشرطة مع صفّاراتها التقليديّة الزرقاء التي يعجّ بها المكان في لقطةٍ متواصِلةٍ تستغرق خمسَ عشرةَ ثانيةً، ولما كنتُ قد بدأتُ تقريري التلفزيونيّ بتندُّرٍ وتهكُّمٍ قائلًا: "هذه الدولة التي لم تتمكَّن بعد من القضاء على ظاهرة النشّالين فوق أراضيها، قرَّرت الدخول في حربٍ عسكريّةٍ كبرى إلى جانب الولايات المتّحدة الأميركيّة في بقعةٍ جغرافيّةٍ تبعُد آلاف الكيلومترات عن أراضيها، وضدَ من؟ ضدَّ ما يُسمّى بالإرهاب".. وما أشبه اليوم بالبارحة في بريطانيا.. والخير دائمًا من وراء القصد.