على الطريقة اللبنانية، تَشي شعارات الحملات الانتخابية لمعظم القوى السياسية، ناهيك عن تلك التي تخص مرشحين غير حزبيين، بأن هذه الجهة أو تلك الشخصية تريد بناء البلد من جديد، ليس ذلك فحسب، بل وإدخاله عصر الحداثة والرفاه والتنمية، لكن التفاتة صغيرة للتراشق الكلامي وكيل اتهامات الفساد وإفلاس البلد، حتى بين حلفاء الخط السياسي الواحد في بعض الأحيان، تكشف أن أدوات اللعبة الانتخابية لا تريد بناء بلد أو محاربة فساد بمقدر ما تتطلع لنيل بركة الصوت التفضيلي، ولو عن طريق تكبير الوعود أو رفع الشعارات أو تحريك العصبيات.
ماذا يعني أن يتضمن البرامج الانتخابية لأركان سلطة تولوا إدارة الشأن العام عقدين من الزمن فما دون، وعوداً بالإصلاح والتنمية ومحاربة الفساد وتحقيق العدالة الاجتماعية وإيجاد فرص العمل وبناء الجامعات والمطارات والمرافئ؟ ماذا كان يفعل هؤلاء كل تلك السنوات، وهل تكفي ست سنوات "نظرياً" لإنجاز كل ذلك، ومن كرّس الفساد وحمى الفاسدين ومنع ملاحقتهم في السابق؟ الأمر فعلاً يحتاج من الناخب لحظة تأمل!
وبالحديث عن الوعود وإغداقها، تقول نكتة متداولة إن طرفاً سياسياً، ومع اقتراب موعد السادس من أيار، سعى لإقناع مرشحين بالعزوف عن الترشح ليضمن فوز لوائحه، واستخدم لذلك "القوة الناعمة" تارة بالترهيب، وأخرى بالوقوف على خاطرهم بتقديم وعود لهم تراوح بين نيل حقيبة وزارية في حكومة ما بعد الانتخابات أو منصب عام رفيع، حتى وصل الأمر ببعضهم إلى القول إن حصة هذا الطرف في الحكومة المقبلة يجب أن تصل إلى مئة حقيبة لارضاء الطامحين الذين نالوا وعود الشاي بالياسمين!
لكن نظرة للأمور من زاوية مختلفة قد تعطي بُعداً آخر. ماذا يمكن لأحزاب وقوى سياسية أن تقدم من وعود وشعارات إزاء واقع عناوينه الكبرى هي: نفايات، عتمة، قلة أشغال، غياب للفرص والخدمات والحريات، زحمة سير، أمن سائب، فساد منتشر، مساومات ومقايضات، محسوبيات وسمسرات، تسرّع وعشوائية محل خطط وسياسات، تعليم خاص مرتفع التكاليف وخارج أطر الرقابة المالية، وتعليم عام تسوده العشوائية وغياب التطوير، طبابة عالية التكلفة، أو هي الأعلى من بين دول العالم، وفوق كل ذلك دين عام يقارب المائة مليار دولار.. وغيرها الكثير الكثير من دلائل الفشل والتأخر وتآكل الدولة. باختصار، وبشهادة النائب وليد جنبلاط "في الدولة كلّ شيء معطّل، لا هيئة تفتيش مركزي، لا ديوان محاسبة ولا هيئة إدارة للمناقصات. هي موجودة، لكنّهم لا يريدون لها أن تعمل.. الجميع يقول إنه يريد للدولة أن تعمل، وكل الطبقة السياسية.. حكي، كلّه حكي. الفساد في لبنان لا يكافح. هو أصلاً يسيطر على بعض الطبقة السياسية".
إذن، سلطةٌ هذا واقعها ماذا يمكن لها أن تفعل لتجدد لنفسها تفويض إدارة مصالحها من باب الشأن العام سوى تقديم الوعود واللعب على الكلام والشعارات والعصبيات، بمعنى أوضح أن تتعامل مع الشعب على أن كل أيام السنة كلها هي كذبة الأول من نيسان؟؟!
أمس ذكّر البطريرك الراعي في رسالة الفصح بأن "لبنان بات مرهقا بالعبء الناتج اقتصاديا واجتماعيا وديموغرافيا. ولكي لا تأتي القروض الدولية، ولو ميسرة، عبئا يزيد من الديون التي ترزح تحتها الخزينة، تشترط هذه المؤتمرات إجراء إصلاحات سياسية وإدارية ومالية وأمنية هي في غاية الضرورة، وأولاها إصلاح الدولة – الوطن"، متمنياً أن "تأتينا الانتخابات برجال دولة مسؤولين". لبنان المتألم والموجوع والمعلق على خشبة الحسابات الخاصة والأنانيات والأطماع يحتاج قيامة جديدة.. وعسى أن تكون قريبة.