قلائل توقفوا أمام حجم وأهمية اللقاء الذي جمع حاكم مصرف لبنان رياض سلامة وقاد الجيش العماد جان قهوجي، الذي زاره في مكتبه في الحمراء، في زيارة نادرة قد تكون الأولى من نوعها في الشكل والمضمون والتوقيت لقائد للجيش ما خلا تلك الزيارات التي يتذكرها البعض عندما قامت دوريات من الجيش بتطويق مبنى المصرف المركزي مرة لحل إشكال بين المؤسستين في فترة اعتُبرت من أحلك الأزمات الإقتصادية والمالية في البلاد.
يرغب بعض السياسيين بأن يحمّل الزيارة أبعاداً سياسية وصولاً الى الرئاسية منها. فيحاول الإيحاء باحثاً في بعض الأوساط السياسية والإعلامية وبعض مطابخ السيناريوهات عن جواب لسؤال قد لا يكون مطروحا اليوم، ومفاده: من تنازل لمن في الطريق إلى قصر بعبدا؟ وهل صحيح ان الثنائية بين اليرزة ومصرف لبنان باتتا تتحكمان بالطريق اليه؟ وما الذي جرى بينهما وهل تحولا إلى محور ينافس محور الرابية - معراب وما بينهما دارة المختارة؟ وهل في اللقاء إشارة الى ان الباب فُتح "نصف فتحة" في الطريق إلى انهاء الشغور الرئاسي بعدما حسمت الخيارات الكبرى العسكرية والأمنية؟ فالتمديد للقادة العسكرييين قيس على انه الى حين الاستحقاق الرئاسي في مهلة أقصاها بات مرتبطاً بتأجيل التسريح سنة كاملة في المؤسسة التي تنتظر التعيينات فيها وجود الرئيس الأعلى للقوات المسلحة ورئيس مجلس الدفاع الأعلى المفقود منذ 25 أيار العام 2014، بدلاً من سنتين كما جرى في المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي حيث الإستقرار السياسي والإداري مضمون بدرجة أعلى.
وعلى هذه الخلفيات التي يرغب من خلالها البعض بتوسيع دائرة المواجهة بين المرشحين لرئاسة الجمهورية، يوضع اللقاء في منزلة جديدة محتملة مع أبطال المرحلة السابقة الذين احترقت أسماؤهم على نار النصاب القانوني الذي عطل انتخاب الرئيس في ساحة النجمة، فخلطت الأوراق لتبدأ المنافسة بين إثنين لربما يتمتع أحدهما في ضوء الفرز الجديد للتحالفات بصفته المرشح التوافقي او الوفاقي او التوفيقي لا فرق.
إلى ذلك يتجاهل البعض عند قراءة صفحات أخرى أكثر دقة وأهمية من "لقاء مصرف لبنان" صورة أخرى ترتبط بدور ومهمة الرجلين والمؤسستين على المستويين الوطني والإقليمي معا. فهما على تماس لا سابق له لضمان ديمومة الإستقرار الذي تنعم به البلاد بوجهيه الأمني والإقتصادي المتوفرين في محيط ملتهب تعبّر عنه رغبة الجميع بابعاد لبنان عن النار السورية والحفاظ على سقف من الإستقرار المالي المستند الى ثبات سعر العملة الوطنية بشكل لا سابق له من جهة، والعسكري والأمني الذي وفرته قوى الجيش والقوى الأمنية من جهة أخرى. ففي غياب رئيس الجمهورية والشلل في المؤسسة التشريعية، والذي يهدد التنفيذية بحال مثلها، لم تعد مهمتهما تقتصر على الحفاظ على مؤسسات الدولة بوجهيها المالي والعسكري فحسب بل تعدتهما الى ما هو أبعد في تعاطي لبنان مع الخارج أيضاً.
فإلى الحضور الإقتصادي والمالي اللبناني في المؤسسات الدولية التي تقدّر الثبات في استقرار السوق المالية في لبنان والضوابط والقوانين الدولية المحترمة وقوة ومتانة القطاع المصرفي، تُعلق الآمال على المؤسسة العسكرية لفرض الأمن على الحدود وفي الداخل. وأكثر من ذلك فقد باتت على تماس مع القوى التي تدير الأمن الإقليمي والدولي فدخلت بكامل قواها العسكرية والإستخبارية الى جانب زميلاتها الأمنية في حرب استباقية ضد الخلايا الارهابية لمواجهة وتعطيل مخططات تجاوزت الحدود بين الدول واطاحت بها وتجاوزت قدرات المؤسسات والأجهزة الأمنية الدولية التي ترصد حركتها. فباتت هذه الخلايا عابرة للقارات والدول في مواجهة هي الأولى من نوعها. فلا يدرك أي مسؤول متى وكيف وأين يمكنها ان تضرب، باعتراف قادة أكبر الأجهزة الأمنية في العالم، الذين لم يستطع اي منهم ان يتغنى بأمن كامل ومضمون في بلاده، على رغم التعاون الذي بات قائماً في ما بينها في مواجهة إرهاب "معولم" لا يخشى أي سلطة أياً كان حجمها.
وقبل التوسع كثيراً في مسلسل النظريات حول "قمة مصرف لبنان" بغياب رئيس الجمهورية، من الضروري العودة الى الداخل للإشارة الى دور المؤسستين المالية والعسكرية في توفير مقومات بقاء الدولة اللبنانية لتحافظ على مظهر يدافع عن بقائها حاضرة على خارطة العالم. فهما في موقع قمة الضمانتين العسكرية والمالية الأقوى والأكبر لبقاء البلاد والمؤسسات قائمة بحدها الأدنى.
(خاص "
لبنان 24")