يفضّل الجنرال ميشال عون لو أنّه لا يرسم حدوداً لغضبه و"يزركه" في عنق زجاجة الاعتبارات السياسية والأمنية التي تجعله محكوماً بسقف محدد لا يجوز تخطيه.
يعرف الرجل جيداً أنّ الاستقرار خط أحمر، في السياسة كما في الأمن. وفي الثانية يصير الخطّ مزدوجاً طالما أّنّ الساحة اللبنانية محمية بقرار اقليمي- دولي يقيها شرّ الحمم البركانية التي ترميها أحداث المنطقة يمنة ويسرة.
ومع أنّ رئاسة الجمهورية يتآكلها غبار الشغور الذي صار عمره أكثر من 14 شهراً، والبرلمان في اجازة طويلة جعلت من نوابه في مرتبة العاطلين عن العمل، لكن ابقاء الوضع اللبناني في ثلاجة الانتظار هو أقصى ما يمكن لعواصم القرار أن تطلبه من التركيبة السلطوية الحاكمة.. حتى لو لم يبقَ من هذه الجمهورية الا نفاياتها.
ولهذا يجد رئيس "تكتل التغيير والاصلاح" نفسه محاصراً بهذا الواقع الذي يفرض عليه ألا يخرج عن أحكامه وثوابته. فلا المظاهرات التي سيلجأ اليها في الشارع مسموح لها بأن تتجاوز المألوف وتكسر الحواجز المرسومة عن بعد، ولا رغبته في قلب الطاولة التنفيذية قد تأخذ مداها وتحلّق في خيالاتها لتصير استقالة موجعة من الحكومة، وكتابة رسمية لورقة نعيها.
في كلا الحالتين، لا يملك الرجل ترف الذهاب بعيداً في تهديداته حتى لو دغدغت تلك الأفكار الانقلابية ذهنه، ودفعته الى الاعتقاد في لحظة نادرة أنّ لا شيء مستحيلاً ويمكن للمستحيل أن يصير واقعاً اذا تقاطعت ظروف استثنائية مع رغباته.
يقول بعض من يلتقي العماد ميشال عون إنّ الرجل يعرف قواعد اللعبة جيداً، لكنه يترك ما بينه وبين نفسه بعيداً عن المنابر وأضواء الكاميرات، هامشاً ضيقاً، لتقديرات تتخطى ما هو معروض ومتاح.
بنظره، إنّ الرمال المتحركة التي تبتلع القواعد التي كرسها سايكس وبيكو عندما تقاسمت دولتاهما نفوذ المنطقة، قد تفرض ما هو غير متوقع أو منتظر على الساحة اللبنانية. لا يمكن لحدودنا أن تبقى عصية على رياح التغيير، وإذا ما هبت فهي ستبعثر كل ما هو قائم وتعيد دوزنته من جديد وفق موازين القوى الجديدة.
إذاً، لا يجوز الرهان على قرار "الستاتيكو" الذي لا يزال ساري المفعول. ويمكن بنظر هؤلاء الاستفادة في أي لحظة خارجة عن السيطرة، من تغيير قد يلفح الساحة اللبنانية.
هناك، يعتقد هؤلاء أنّ الجنرال في كل ما يفعله اليوم، أنه يحاول تسريع تسوية اقليمية هي شرّ لا بدّ منه، ستأتي عاجلاً أم آجلاً. ولهذا يسعى الى تقريب عقارب الساعة لترفيع مرتبة الملف اللبناني على سلّم أوليات دول القرار.
كما يعتقدون أنّه صار محسوماً أنّ التسوية اللبنانية لن تكون تفاهماً رئاسياً فقط، لا بل ستتخطى حدود "الدوحة" حتى لو لم تبلغ مرتبة "الطائف". بهذا يجاهرون سائليهم أنّه لا خوف من فلش الدستور من جديد على طاولة البحث، ولا خشية لدى المسيحيين من أي مقاربات تغييرية.
لا بل يذهبون أكثر من ذلك الى حدّ القول إنّه لا داعي لحمل فزاعة "المثالثة" لمنع المسيحيين من المطالبة بإعادة النظر بالـ"الطائف"، ويضيفون: بعد التجربة المريرة في التعامل مع المسحييين في ظلّ "وثيقة الوفاق الوطني" التي تقول نظرياً بالمنافصة، وتمارس التهميش الكلي.. صارت المثالثة الحقيقية في النصّ وفي الممارسة، أهون الشرور.
("لبنان 24")