ساهمت الصورة التي ظهر فيها قائد الجيش جان قهوجي حاملاً زجاجة "شمبانيا" في نفخ مزيد من الهواء في النَّفِيرِ العونيّ. في "بروفا" ثانية، "نزل التيار ع الارض"، مردداً "انا بتنفس حرية" لا..."سيكار"!.
يحلو للعونيين العودة الى الشارع. هنا رائحة المنفى والنضال. الاسفلت لا يزال صلباً حارقاً، لكنه يكوي الجراح. ثمة منهم من يرى أن "التيار" خارج الشارع، كسمكة على قارعة الطريق. وثمة من جزم وصدّق وآمن بأن الثورة لا تولد إلا على الرصيف.
مشهد "الإنتفاضات" تحت الشمس والمطر، يدغدغ المدن الثائرة. والقلوب الحالمة بوطن تتساقط منه أحرف الوجود. والمشهد إياه، يصدّ طوفان الإستسلام والتأقلم سلباً مع اللامألوف والخطأ. وفي هذا، يسجّل "التيار" هدفاً في المرمى. لا بدّ من التحرّك ضدّ...
ضدّ ماذا؟ هنا بيت القصيد.
للشارع قوانين. وعتاد. و"آلية استخدام". تنتظر الطرقات صدى الشعارات المنطقية.
فهل من يفهم لماذا ينزل العونيون الى الشارع؟ هل هم يفهمون ذلك؟
تعددت المطالب: استرجاع حقوق المسيحيين. منع التمديدات الأمنية. وعدم تعيين شامل روكز لقيادة الجيش. انقطاع الكهرباء والمياه. انتشار النفايات في الشوارع. عدم اقرار قانون انتخابي يصحح التمثيل. عدم انتخاب رئيس للجمهورية، تحديداً النائب ميشال عون. وقف المخالفات والهرطقات الدستورية....
يخال للعونيين أن الشارع بمقدوره استيعاب كل الشعارات. وكل العناوين. وهو كذلك...ولكن!
للشارع ذاكرة غير مثقوبة. وعقل يعمل. فهل قطع الطرقات في المناطق المسيحية، (عذراً لقساوة المصطلح) يعيد الحقوق الى المسيحيين أم أنه يخنق أصحاب المحلات والمواطنين خصوصاً في ظلّ ازمة اقتصادية وبيئية وأمنية؟! ولماذا كلّ تلك السرّية المرافقة للتجمعات والتظاهرات وكأننا في صددّ انزال على المريخ؟!
ولماذا اللجوء الى الشارع، وهو في العادة البيئة الحاضنة للمعارضين، في وقت تضمّ الحكومة وزراء لـ"التيار الوطني الحرّ"؟
الاهم هو إيجاد اجابة للسؤال التالي: "لماذا الاستفاقة اليوم"؟
ألم يكن التيار مشاركاً في الحكم منذ سنوات؟ ألم يكن بمقدوره وقف سرقة الحقوق وهدرها؟ ولماذا صمت، أكثر من مرة، على مخالفات وتعديات لم يكن أبطالها الخصوم؟ ألا يدرك العونيون أن قيادة الجيش تنفذ ما تقرره الحكومة فقط لا غير؟
بالمناسبة.. في العام 2009 قال النائب ميشال عون انه "تمكن من تحصيل حقوق المسيحيين المهدورة بصلابته ودعم حلفائه". كيف استرجعها وكيف فقدت مجدداً. الإجابة في الرابية. لكنّ الحقوق حتماً ليست أكياس بطاطا!
جملة أسئلة بحاجة الى توضيح. لا يمكن الثورة على وقائع الحاضر ما لم نعرف مسبباتها وماضيها. وفي الماضي، شارك التيار، عن قصد او غيره، في حفلة تبادل الكؤوس المرّة، حدّ وصوله الى مقاطعة جلسات انتخاب رئيس للجمهورية.
لا يمكن الثمل أن يقود ثورة. أو أن يشعلها. عليه أن يستفيق اولاً، ويجهد لاسترجاع الذاكرة التي فقدت في الحفلة، فيبدأ بتصحيح الاخطاء.
لا بدّ وأن وضعاً غير طبيعي، من النواحي كافة، دستورية وسياسية واخلاقية...، سوف يظلّ يجترّ نفسه. الاجدى حتماً، النفخ في نفير المؤسسات الدستورية بترتيبها وتراتبيتها ومنطقها. لعلّ التوّجه الى البرلمان وانتخاب رئيس هو خطوة أولى وأساسية.
("لبنان24")