واضح ان مهلة الـ 90 يوماً التي اشترطت قبل دخول الاتفاق النووي حيز التنفيذ، لم تكن سوى "الصنارة" التي تسعى مجدداَ من خلالها القوى النافذة في المنطقة والعرّابة للاتفاق لجر "رِجل" ايران مجدداَ لربط ملفات المنطقة بملفها النووي بعدما نجحت الأخيرة في كسر أول قيد من قيود عزلتها الدولية عبر مصادقة مجلس الأمن على الإتفاق الشهر الماضي، مجنبة نفسها الوقوع تحت وطأة المساومة على أوراق قوتها في المنطقة وبخاصة في سوريا ولبنان.
من هنا تعيش ايران اليوم سباقاً مع الوقت غير موفرة لحظة واحدة حتى للنشوة بنجاحها الأول، مطلقة العنان لحراكها الدبلوماسي الذي جال على عواصم عدة كالكويت وقطر والعراق ولبنان وسوريا وباكستان والهند وآخرها روسيا، حاملاً المواضيع الثنائية والاقليمية ونتائج المباحثات النووية والاهم المبادرة الايرانية لحل الازمة السورية والتي تعد أهم أوراق قوة الاخيرة الاستراتيجية في المنطقة.
الا ان هذا الحراك دونه عقبات ومن يسّر أمره إبان المصادقة على الاتفاق النووي حان وقت ان يُرد له الجميل والمعني هنا هو الجانب الروسي الذي نشطت دبلوماسيته في الآونة الأخيرة على عدة خطوط فأظهر انفتاحاً واسعاً على خط علاقاته بالمملكة العربية السعودية محققاً بذلك ضربة "أمن استباقي" لنفوذه في المنطقة وعمل في الوقت عينه بالتنسيق مع الولايات المتحدة الأميركية على تطييع العقلية الايرانية، وها هو اليوم يتقدم بخطوات على صفوف محور الممانعة الذي تترأسه ايران في الملف السوري بشكل خاص، عبر التصريح الذي أطلقه بالامس وزير خارجيته "سيرغي لافروف" اثر لقاء جمعه بنظيره الايراني محمد جواد ظريف معتبراُ فيه "ان بشار الأسد هو رئيس شرعي لسوريا ورحيله يقرره السورييون دون تدخلات خارجية"، وهو ما يشكل نقطة خلاف أساسية بينه وبين المملكة العربية السعودية التي تعتبر "ان لا دور للاسد في سوريا مستقبلا" وفق ما صرح به وزير الخارجية السعودي عادل الجبير الاسبوع الماضي.
هو حراك روسي على حبلي الصراع الايراني – السعودي، من المفترض انه سيرسو لصالح من يحقق الحماية للنفوذ الروسي في المنطقة، ويحصنها من تمدد الارهاب الى رقعة أراضيها ونفوذها، في الوقت الذي ستنأى أميركا بنفسها عن هذا الصراع وحرق الاصابع، طالما توفر من سيطبخ عنها ويضمن لها بقاء شعرة معاوية مع من تربطها بهم مصالح، وبخاصة المملكة العربية السعودية.
أمام هذا الواقع علامة استفهام كبيرة تطرح حول المنحى الذي ستسلكه ايران في ملفات المنطقة العالقة وتحديدا في الملف السوري لضمان انتقالها لمرحلة تنفيذ الاتفاق النووي بسلام؟
"إن النزاع في سوريا على مشارف نقطة تحول" هذا ما صرح به وزير الخارجية الألماني "فرانك فالتر شتاينماير" في تصريحات لصحيفة "بيلد أم زونتاج" الألمانية الاحد الماضي، معتبرا أن "نظام الأسد ضعف عسكريا وأن زحف تنظيم الدول الإسلامية يعرض الدول المجاورة أيضا للضغط. لذا يزداد الاستعداد للتوصل لتسويات. اضف اليه أن الاتفاق النووي مع إيران أسفر عن حراك في الدبلوماسية الإقليمية".
هذا التصريح على أهمية الجهة التي صدر عنها في الدبلوماسية الدولية والاقليمية يشكل إشارة واضحة إلى وجود حالة" تعجيل" دولية مقصودة لحل أزمات المنطقة وفي أولها الملف السوري في محاولة لاقتناص ما تبقى من وقت سابق لدخول الاتفاق النووي حيز التنفيذ يمكن من خلاله لَيّ الذراع الايراني في المنطقة انطلاقا من سوريا والعراق ولبنان بشكل خاص.
وربما أولى الاشارات على ذلك، ما أدلى به السيد حسن نصرالله في خطابه الاخير في معرض دعمه حليفه الجنرال ميشال عون معتبرا إياه بانه " الممر الالزامي الى رئاسة الجمهورية في لبنان والى الحكومة" واضعاً اياه في خانة الشريك الذي يجب ان تؤخذ شراكته بعين الاعتبار وليس الرئيس الذي يجب ان تتشارك كل القوى لايصاله لكرسي الرئاسة. هذا الامر قد لا ينسحب على الملف اللبناني فقط وانما قد يتعداه الى الملف السوري حيث بدا واضحا حرص ايران واستعدادها التعاون والحوار مع المملكة العربية السعودية في سبيل معالجة بعض ملفات المنطقة وفق ما عبر عنه مؤخرا وزير الخارجية الايراني محمد جواد ظريف في زيارته الاخيرة الى بيروت.
لا شك ان هذا الحرص يتحكم به حاجة ايران لتمرير هادىء وآمن للاتفاق النووي بعد مرورها بسنوات عجاف طويلة على جميع المستويات ، الامر الذي قد يدفع بها ودون تردد لتقديم تنازلات في الملف السوري ترضي قوى دولية معينة لاسيما في الشق المرتبط بمصير الرئيس بشار الاسد، الذي ربما ستؤول به الحال الى ان يكون "الممر" الالزامي لمستقبل سوريا دون ان يكون له في هذا المستقبل اي مكان فيه.
ميرفت ملحم (محام بالاستئناف)