عندما يتفاءل الرئيس نبيه بري على طريقة "تفاءلوا بالخير تجدوه"، وتفاؤله هذه المرة وصل إلى درجة التسعين في المئة، فهذا يعني أن ما تجمّع لديه من معطيات تجعله من أكثر الناس تفاؤلاً، على الرغم من أن من يتبحر في ما يجري من حولنا يجد أن لا سبب مقنعاً يدعو إلى التفاؤل، أقله بالنسبة إلى الامور الحياتية البسيطة.
فما هو السبب الذي يجعل الرئيس بري متفائلاً إلى هذه الدرجة العالية؟
المقربون من "الأستاذ" يعرفون جيداً أن الرجل لا يطلق الشعارات لمجرد اطلاق الشعارات، بل تكون كلماته مدروسة ومستندة إلى ما يتكون لديه من معلومات، وهو المطلع على الشاردة والواردة، مقرونة بقناعات غير ظرفية وغير مرتبطة بمكان وزمان محددين.
وفي اعتقادنا أن سبب هذا التفاؤل الاستثنائي الذي يحاول الرئيس بري اشاعته يعود إلى ما سمعه من وزير الخارجية الايرانية محمد جواد ظريف، وما يمكن أن تكون عليه انعكاسات الاتفاق النووي، وهو اتفاق يمكن أن يندرج في خانة الحدث غير الطبيعي، بين ايران ومجموعة الدول الست، وبالاخصً الولايات المتحدة الأميركية.
فما سمعه الرئيس بري من ظريف ربما لم يسمعه منه أحد آخر، باستثناء الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله، وهو كلام قد يُستثمر بالامن والسياسة، وقد تكون له مفاعيل، وإن غير قريبة، على مجمل الوضع في المنطقة، ومن ضمنها لبنان.
وهذا المناخ، وفق العارفين والمطلعين، سيؤول حتماً إلى توفير الظروف المؤاتية لانتخاب رئيس للجمهورية، ومن شأن ذلك ترسيخ الأمن الداخلي، الذي يبقى على رغم هشاشته، افضل بكثير من دول الجوار، وهذا ما ألمح إليه أيضاً الرئيس بري أمس الاول، من دون أن يعني ذلك الغمز من قناة مرشح معين دون سواه، بالتفضيل أو بالاهلية.
وإلى حين نضوج ما يُطبخ في المطابخ الدولية والاقليمية يبقى التركيز على أولويات يأتي ترسيخ الأمن في طليعتها، ومن ثم الانكباب على القضايا الحياتية للناس، ومحاولة الخروج، بالتي هي أحسن، من الخيوط العنكوبية التي تكاد تلتف على رقابهم إلى حدّ الاختناق، وأولها ترميم ما انكسر من هيبة الحكومة، وانصرافها بالتالي إلى معالجات سريعة لازمة النفايات أولا، ولغيرها من المشاكل التي تتراكم، وصولا إلى رواتب الموظفين وعناصر الاسلاك الامنية.
فأي تفاؤل، إن لم تواكبه إجراءات على مستوى السلطة التنفيذية وعلى مستوى السلطة التشريعية، يبقى تفاؤلاً غير محسوس، على رغم حيثياته الموجبة، وعلى رغم ما تخبئه الأيام من مفاجآت.
("لبنان 24")