لم يختلف اثنان من اللبنانيين على أن مطالب حركة "طلعت ريحتكن" هي مطالب محقّة، ولم يتفق اللبنانيون منذ مدة طويلة كما اتفقوا على المطالبة بايجاد حلّ لأزمة النفايات بعدما وصلت الأوضاع إلى حدّ لم يعد من الجائز السكوت عنه أو القبول به. وقد انتظر اللبنانيون طويلاً هذه الحركة التي تعبر عفوياً عما يجيش في صدر كل لبناني شريف، وقد ضاقوا ذرعاً من السياسات الضيقة، التي لم توصل البلاد إلى أي مكان، بل أوصلتها إلى المآزق التي لا مخارج لها. وقد تكون أزمة النفايات النقطة التي أفاضت الكأس، فنزل شباب وصبايا إلى الشوارع في حركة رافضة لكل هذا الواقع المزري الذي أوصلتنا إليه الطبقة السياسية، التي لم تستطع أن تحلّ ولو مشكلة صغيرة من جملة مشاكل يعاني منها كل لبناني، في أي بقعة جغرافية على تراب هذا الوطن المصلوب على خشبة المصالح السياسية.
أول نزلة لحملة "طلعت ريحتكن" إلى الشارع كانت خجولة، وبالكاد استطاع منظموها تجميع عشرات من الشباب والصبايا المتحمسين، إلا أنها تحولت بسرعة إلى حركة جماعية تضم من هم بالفعل أصحاب قضية، يعرفون تمام المعرفة أن تحركهم هذا سيؤدي في النهاية إلى كسر الحلقة الجهنمية، وهم مؤمنون بأن اللبنانيين يعيشون أسوأ ايامهم في ظل تقاسم السلطة بين مستفيدين ببقاء الوضع على ما هو عليه.
فهذه الحركة التي بدأت خجولة تطورت إلى ما يشبه حركة جماعية من شأنها تبديل المقاييس وايجاد واقع جديد وفرض حلول لم تكن متوافرة حتى تاريخ 22 آب، وهو موعد سيتذكره اللبنانيون والعالم، على أنه تاريخ بدء التغيير الحقيقي، وإن حاول بعض الخائفين على كراسيهم تحريك "خفافيش الليل" ومحاولة إخراج هذا الحراك السلمي عن أهدافه والاساءة إليه عن طريق إثارة الشغب واشاعة الفوضى والبلبلة وحرف الانتفاضة الشعبية عن أهدافها التي لاقت تأييداً من معظم شرائح المجتمع، ورأت فيها بداية قد يؤسس عليها لمرحلة واعدة مقبلة.
مَن مِن اللبنانيين ليس مع تنظيف الشوارع من الزبالة، ومن منهم ليس مع المطالب المحقة، وهي كثيرة، ومن منهم ليس مع كسر الحلقة الجهنمية وتحميل الطبقة السياسية الحالية مسؤولية ما آلت اليه أوضاعم المزرية على كل المستويات.
فإذا ما كبرت ما بتزغر.
وقد تكون الخطوة التي اتخذها منظمو حملة "طلعت ريحتكن" بتأجيل الدعوة إلى التظاهر من مساء اليوم إلى وقت آخر ينمّ عن وعي هؤلاء، وعن مدى تحملّهم المسؤولية التاريخية، ولتفويت الفرصة أمام المصطادين بالمياه العكرة.
فالتحرك السلمي الحضاري سيبقى العنوان الرئيسي، وهو قادر على إجتراح المعجزات، خصوصاً أن جميع الذين يتلطون وراء شعارات سياسية فارغة أصبحوا أمام هذه الحركة ـ الظاهرة مكشوفين أمام الرأي العام، الذي قرر كسر جدار الصمت وفضح االمستور وزعزعة الكراسي من تحت المتربعين عليها.
(خاص "
لبنان 24")