كالنار في الهشيم اشتعل محيط السراي الحكومي بأعمال العنف والشغب نهار الأحد الماضي معيداً بالذاكرة اللبنانية عهوداً الى الوراء كادت تمحى، ليست المرة الأولى الذي تستقبل فيه ساحات رياض الصلح ومدخل السراي الحكومي اعتصامات ومظاهرات من هذا النوع، بل كان سبقها في الماضي القريب مظاهرات أخرى تحمل نفس المعاناة من اقتصادية واجتماعية ومعيشية، والتي تصدر قائمتها حينها ملف "سلسلة الرتب والرواتب" الذي فُتح وأُقر للمرة الأولى في عهد حكومة الرئيس نجيب ميقاتي بعد شلل طويل أصابه منذ العام 1996، إلى انه لاقى حتفه مؤخراً في إدراج مجلس النواب بعدما التم حوله الطباخون والجراحون تشريحاً وفرماً وطهياً حتى وصل حد الاحتراق.
مظاهرات أخرى بتوقيع أزرق تحت عنوان "يوم الغضب" رافقتها أعمال شغب وعنف وحرق لم تسلم منها حتى أجهزة الاعلام، تلاها اعتصامات اقتحمت حرمة البيوت مفترشة ساحاتها برايات الثورة السورية وعناوين مذهبية تحريضية وصل بها الحال الى حد الهجوم على السراي الحكومي متطاولين على المقام والميثاق في آن. والامثلة على ذلك تطول.
أهمية العودة بالذاكرة الى القريب منها، هي في المفارقة في طريقة التعاطي السياسية والأمنية السابقة مع مظاهرات الأمس التي عبقت ببارود السياسة والنزعة نحو احتكار السلطة، وطريقة التعاطي الحالية التي رافقت وترافق مطالب محقة لشريحة لبنانية تمثل الاكثرية الحقيقية وصوت ومعاناة الذين لا صوت لهم.
ففي هجوم تشرين أول 2012 على السراي الحكومي بما تمثله من مقام بهدف إسقاط حكومة ميقاتي، اخترق المعتصمون الزرق خطي الدفاع الأول والثاني للسراي أمام تراجع القوى الامنية الى باب السراي، خط الدفاع الاخير لها، وذلك على وقع رمي المعتصمين العصي والحجارة ومحاولات تكسير سيارات لقوى الامن الداخلي، مما اضطر بالقوى الأمنية في السراي حينها، الى رمي القنابل المسيلة للدموع لابعادهم، الا انها لم تكن بالغزارة التي شهدتها ساحة رياض الصلح بالامس، كما لم تكن كافية لردع المعتصمن عن اقتحام باب السراي خط الدفاع الاخير لها، فما كان من الجيش اللبناني بمغاويره سوى ان تدخل لينهي فصلا من فصول الشغب الخطير بحكمة وتعقل.
اليوم، وبغض النظر عن تقييم تظاهرة "طلعت ريحكتم" وأبعادها ونتائجها أو مستوى تعاطي القوى الأمنية ووزيرها مع مطالب الأخيرة المحقة او اختراق المظاهرة من قبل مندسين لتحريف التظاهرة عن أهدافها بعد فشل الحكومة العتيدة في حل أبسط ملفات المواطنين أي ملف النفايات ومارافقه من روائح فساد ومحاصصة سياسية نتنة، فان أبرز ما رسمه المشهد العام لهذا الحدث يتلخص بالنقاط التالية:
- اعطاء الأمر بعدم تهاون القوى الأمنية تحت أي ذريعة مع المتظاهرين بدأت مفاعيله حتى قبل دخول المندسين المخربين على خط التظاهرة السلمية، مما يشير الى وجود غطاء حقيقي متفق عليه بين قطبي 8 و14 آذار أي "المستقبل" و"حزب الله " لعدم السماح لأي تحرك من ان ينال من الحكومة أو يسقطها ومهما كلف الثمن الى حين يتكشف فيه مصير مسار موازين القوى الخارجية.
- دخول المندسين او ما يمكن تسميتهم بالطابور الخامس بشكل فاضح وعلني على خط المواجهة مع القوى الأمنية وعدم توقيفهم بالرغم من الابلاغ عنهم من قبل منظمي التظاهرة، وعدم إجراء تحقيقات سريعة وشفافة للكشف عن هويتهم بهدف تطمين الرأي العام وأيضا عدم طلب مؤازرة الجيش اللبناني، كل ذلك أشار، بما وفره من ذريعة للحكومة تستطيع من خلالها فرملة التظاهرة عن الضغط باتجاه اسقاطها، الى الهوية الحقيقية لهذا الطابور ووظيفته التي انتهت مع طلوع نهاراليوم التالي.
- ان لبنان مازال يتمتع بحماية المظلة الدولية وليس هناك من قرار بتفجير وضعه، والدليل على ذلك اصرار "حزب الله" و"تيار المستقبل" على ضبط النفس وعلى المحافظة على الحكومة "بالتي هي أحسن "، دون اكتراث حتى لمواقف حلفائهما المسيحيين منها بشكل خاص، وبالرغم أيضا من ادراكهما لحالة التململ والتوتر التي تسود مكوني 8 و14 آذار والتي تنذر بخطر انفراطها.
بكل حال، ان اي خروج متهور من قبل أحد طرفي النزاع الداخلي عن قواعد اللعبة في الوقت الراهن وقبل دخول الاتفاق النووي حيز التنفيذ الفعلي، سيدخل لبنان نتيجة الاستمرار في الانقسام والاصرار على الخروج عن أحكام الميثاق في نفق مخيف يحمل سناريوهات متعددة قد يكون احداها تشكيل حكومة انتقالية وربما عسكرية تمهد لعقد مؤتمر تأسيسي ذات بذور فدرالية برعاية أممية.
(ميرفت ملحم ـ محام بالاستئناف)