أصبحت ملامح الاستراتيجية الأميركية الجديدة أكثر من واضحة. الإدارة الأميركية على أتم الجهوزية لتعزيز وفرض المزيد من خطواتها التصعيدية ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية و"حزب الله."
لقد شن الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال كلمته باجتماعات الدورة 73 للجمعية العامة للأمم المتحدة، هجوماً حاداً على الجمهورية الإسلامية قائلا إنه لن يسمح لدولة مثلها بتهديد الولايات المتحدة، بأن توجه صواريخها لأي مكان على وجه الأرض، معرباً عن عزم بلاده فرض المزيد من العقوبات بعد بدء سريان الحظر الأميركي على الصادرات النفطية الايرانية في 5 تشرين الثاني المقبل.
ما تقدم، يؤكد أن سياسة الانفتاح الأميركي على إيران انتهت الى ما لاعودة واستبدلت بسياسة المواجهة، والتي بدأت بانسحاب واشنطن من الاتفاق النووي، مروراً بقرار مواجهة طهران بالمزيد من العقوبات الاقتصادية، وصولاً إلى إعلان ترامب عن تحالف عسكري لمواجهتها، على غرار حلف "الناتو" ويضم دول الخليج ومصر والاردن، بتوافق وتنسيق ترامبي مع إسرائيل في هذا المجال، وبالتوازي مع الطلب من روسيا لدفع إيران إلى إخراج قواتها من سوريا، بذريعة إعادة الاستقرار للشرق الأوسط.
من المعروف أن إدارة ترامب شكلت فريق عمل ضد ايران قوامه وزير الدفاع جيمس ماتيس، وزير الخارجية مايك بومبيو، المبعوث الخاص لإيران براين هوك، ومستشار الأمن القومي جون بولتون من أجل القيام بجهد عالمي كبير ليغير النظام الإيراني "سلوكه". وهذا يعني أن المجتمع الدولي قد يشهد في لحظة معينة صفقة جديدة تماما كالتي حصلت في الملف النووي الكوري. فالادارة الاميركية الحالية، بحسب مدير معهد الشرق الأوسط للشؤون الاستراتيجية سامي نادر، تعتمد سياسة العصا والجزرة. فترامب بعث برسائل ايجابية أنه لا يمانع عقد لقاء مع الرئيس حسن روحاني ولا يمانع ابرام معاهدة جديدة مع ايران بشرط العمل على اطالة أمد الاتفاق النووي وعدم حصره بثماني سنوات، من أجل إبعاد شبح النووي الى ما لا نهاية، تنظيم اطلاق الصواريخ البالستية وانسحابها من الحربين اليمنية والسورية، في حين أن مصادر غربية تشير إلى أن واشنطن تخلت راهنا عن سياسة الجزرة وتتجه إلى اعتماد سياسة العصا لمن عصى، وقد تلجأ إلى كل الوسائل المتاحة ضد إيران و"حزب الله".
وتأسيسا على ما سبق، صوت مجلس النواب الأميركي بالإجماع الأربعاء لتمرير مشروع قانون يدعو لفرض عقوبات جديدة على "حزب الله" اللبناني. وجاء في مشروع القانون أن العقوبات الجديدة تهدف إلى الحد من قدرة الحزب على جمع الأموال وتجنيد عناصر له، إضافة إلى زيادة الضغط على المصارف التي تتعامل معه وعلى البلدان التي تدعمه وعلى رأسها إيران. وتمنع العقوبات أيضا أي شخص يدعم الحزب ماديا وبطرق أخرى من دخول الولايات المتحدة.
ويعطي المشروع الرئيس الأميركي صلاحية رفع حظر إعطاء تأشيرات الدخول شرط أن يبلغ الكونغرس عن قراره في فترة لا تتجاوز الستة أشهر، وعلى أن يقدم أدلة للكونغرس تشير إلى أن قراره يَصب في مصلحة الأمن القومي للولايات المتحدة.
ويفرض المشروع أيضا عقوبات على داعمي "بيت المال، جهاد البناء، مجموعة دعم المقاومة، قسم العلاقات الخارجية للحزب، قسم الأمن الخارجي للحزب، تلفزيون المنار، راديو النور، المجموعة الإعلامية اللبنانية".
وتأتي مقاربة الادارة الاميركية لـ"حزب الله" لكونه جزءاً لا يتجزأ من المنظومة الايرانية، يقول نادر. فالاميركي ينظر إلى "حزب الله" على أنه ذراع إيران في المنطقة، مدعيا أنه يقوض الاستقرار اللبناني، ومنخرط رسمياً باسم الجمهورية الإسلامية في الداخل السوري ويزود الحوثيين بالتدريب والدعم، فضلاً عن تدخله العسكري والسياسي في الملف العراقي.
وعلى هذا الأساس، تلفت مصادر مطلعة على الموقف الاميركي لـ"لبنان24" إلى أن زيارة رئيس مكتب التحقيقات الفيدرالي الاميركي (FBI) كريستوفر راي إلى لبنان الاسبوع الماضي كان محورها ملف "حزب الله". فراي أبلغ المسؤولين اللبنانيين أن واشنطن ماضية بالعقوبات على "حزب الله" المتهم، بحسب زعمها، بمسألة تبييض الأموال والإرهاب وتجارة المخدرات. فهو وضع المعنيين في صورة العمليات المالية التي تجري. وركز على تعزيز التعاون الاستخباري بين لبنان وواشنطن، لمواجهة الإرهاب وتبييض الأموال، وضرورة التزام الدولة اللبنانية بالعقوبات الأميركية المفروضة على "حزب الله."
ولما كان المشروع الأميركي ضد "حزب الله" هو نتاج عمل مشترك بين الحزبين الجمهوري والديموقراطي في مجلسي النواب والشيوخ، لفتت المصادر نفسها إلى أن العقوبات لم تعد محصورة بكيانات معينة. فنطاقها يشهد توسعا لافتاً وقد تطال نوابا ومسؤولين سياسيين في "حزب الله" وشركاء وحلفاء وكل من يتعامل مع الحزب ويقدم له الدعم المالي والعسكري، مع إشارة المعلومات إلى أن المشروع الذي سيوقعه الرئيس الأميركي قريبا، يفرض على وزارات الخارجية والدفاع والخزانة تقديم تقارير مفصلة الكونغرس عن عمل "حزب الله" وانشطته في منطقة عمليات "اليونيفيل"، ومصادر تمويله والاشخاص الذين يتعاطون معه .
وسط على هذا المشهد، من المفترض أن يحيّد لبنان الرسمي نفسه عما يجري لتجنب الضغوط على القطاعين المصرفي والمالي. فتشكيل الحكومة يجب أن يأخذ بعين الاعتبار الوقائع المستجدة، يقول نادر. فإذا كانت الولايات المتحدة " طنشت" في السابق عن مشاركة "حزب الله" في الحكومات السابقة لأنه لم يكن يتولى حقائب اساسية، فإن الأمور اليوم ستتبدل إذا بقي "حزب الله" مصرا على وزارة كـ "الصحة"، يضيف نادر، فاصرار "حزب الله" على الغوص في الملفات الإقتصادية لن يكون له مردود إيجابي على لبنان، فواشنطن قد تلجأ بالتنسيق مع دول الخليج إلى قطع المساعدات عن هذا القطاع الصحي ولا سيما أن غالبية القروض الصحية مدعومة من قبل الولايات المتحدة وصناديق عربية ومؤسسات دولية، وهي مرشحة ومعرضة للتوقف إذا تولى "حزب الله" هذه الوزارة أو سواها من الوزارات الأساسية والخدماتية.
في موازاة ذلك، فإن الأمور من وجهة نظر المقربين من حارة حريك لـ"لبنان24" لن تبدل تبديلا في سياسة "حزب الله" المحلية والاقليمية، لأن التهديدات والعقوبات الأميركية المتواصلة تأتي في سياق منظومة الاستهداف المتنوعة التي تنتهجها واشنطن ضده منذ سنوات، فهي تلجأ إلى وسائل مباشرة وأخرى بعيدة المدى تعمل على long time، علما انها تدرك تماما ان كل ضغوطاتها لم تحقق ما تصبو إليه.