ما كان ينقص البلاد، إلى الأزمة السياسية التي تعيشها، إلا أزمة النفايات لتشكل فصلًا جديدًا فيها، وتتخفى وراءها أو تركب موجتها قوى في الداخل، وجهات، وربما دول، في الخارج تلاقت مصالحها، كل على طريقتها، لاستغلالها بغية دفع الأوضاع والأمور في الاتجاه الذي يخدم الأهداف التوجهات المرحلية والاستراتيجية.
ويقول قطب سياسي لـ "لبنان24" إن ملف النفايات بدأ يستغل ليكون المادة التي من شأنها كسر الجمود الذي تعيشه الأزمة بسبب استمرار الأفق الإقليمي والدولي مسدوداً أمام الأزمة اللبنانية على رغم التوصل إلى الإتفاق النووي بين إيران والدول الغربية الذي ما زال محفوفًا بالتعطيل أو الإسقاط في حال صوت الكونغرس الأميركي ضده بأكثرية ثلثي أعضائه، حيث لا يحق عندها للرئيس الاميركي ممارسة حق النقض (الفيتو) لإسقاط هذا التصويت.
ويشير هذا القطب إلى أنه قبل الحراك الشعبي في وسط بيروت، أيًا كانت الجهات التي تقف وراءه، كان يدور في بعض الأوساط السياسية همس وغمز ولمز، واحيانا في العلن، حديث عن سيناريو مفاده انه لن يحصل انتخاب رئيس جديد للجمهورية إلا بعد مرور البلاد في "خضة" أمنية أو سياسية كبيرة وخطيرة تحدث مضاعفات في حجم ما حصل في 7 أيار 2008، الذي أفضى إلى مؤتمر الدوحة وأدى إلى انتخاب العماد ميشال سليمان الذي كان قائد الجيش يومها "رئيساً توافقياً" للجمهورية.
لكن السيناريو الجديد الذي يُحكى عنه الآن، ليس فيه دوحة ولا غيرها، وانما يقتضي حصول "تطورات داخلية قاهرة" تدفع الجميع إلى الخروج من دائرة الخلاف على الاستحقاق الرئاسي إلى دائرة التوافق على انتخاب رئيس جديد بعد إستبعاد "المرشحين الاقوياء"، الذين يعطلون بتمسكهم بترشيحاتهم ورهاناتهم على الخارج وتطوراته انجاز الاستحقاق ويمنعون الوصول الى رئيس توافقي. وقد لا يكون مستبعدًا أن هذا الحراك الشعبي الجاري في ساحة رياض الصلح الذي يمتدحه السياسيون في العلن ويشككون بـ"شعبيته" وحيادياته عن أي تحريض داخلي أو خارجي سراً، قد يكون القشة التي ستقصم ظهر البعير وتدفع الجميع تحت وطأة احداث خطيرة ربما ستنجم عنه وتؤدي الى استقالة الحكومة عبر استقالة رئيسها تمام سلام ودخول البلاد في فراغ خطيرـ ما يفرض على جميع القوى السياسية في هذه الحال النزول بكتلها النيابية الى مجلس النواب لانتخاب رئيس توافقي يبدأ العملية الدستورية المطلوبة لتأليف حكومة جديدة يعاد معها تكوين السلطة التنفيذية الاصيلة، على ان تتولى لاحقا اجراء انتخابات نيابية جديدة بعد تقصير ولاية مجلس النواب الممددة.
والذين يسوقون لهذا السيناريو ينطلقون من اقتناع تكّون لديهم مفاده ان انتظار الجلوس الاميركي ـ الايراني على طاولة البحث في الملفات الاقليمية للشروع في حل الازمة اللبنانية سيطول، سواء صوت الكونغرس الاميركي على الاتفاق النووي سلباً او ايجاباً، فيما معالجة الازمة اللبنانية باتت غير قابلة لتأجيل اضافي، خصوصا في ضوء تعاظم التدهور في الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية والبيئية نتيجة الخلافات السياسية المستحكمة التي عطلت المجلس النيابي بعد تعطيل انتخاب رئيس الجمهورية، وها هي تعطل، او تكاد، مجلس الوزراء السلطة التنفيذية الدستورية الوحيدة التي تعمل ولو بالحد الادنى من الطاقة المطلوبة منها.
ولعلّ ما يعزز من جدية هذا السيناريو هو تلميحات سلام وتسريبات قريبين منه منذ أسابيع عن احتمال إقدامه على الاستقالة، بل انه في كلمته الأخيرة تعليقًا على الحراك الشعبي في ساحة رياض الصلح ومطالب المتظاهرين لمح الى استعداده للإستقالة وفي الحد الادنى للإعتكاف. ذلك ان سلام لا يقدم على تلميح من هذا النوع لو لم تكن لديه معطيات ما عن وجود إرادة داخلية ـ خارجية، او خارجية صرفة تريد دفع الامور في لبنان في اتجاه انتخاب رئيس من دون البقاء على لائحة الانتظار الاقليمية ـ الدولية، فتكون استقالة سلام المبررة بضغط الشارع المدخل الى هذا الانتخاب، لأن اي فريق من افرقاء النزاع الداخلي لا يستطيع تحمل المسؤولية عن دخول البلاد في تعطيل كامل لمؤسساته الدستورية، وفي فراغ دستوري كامل وما يمكن ان ينجم عنه من اضرار ومخاطر على البلاد ومستقبلها.
ويختم القطب السياسي مؤكدًا أن من المفيد مراقبة ما سيؤول إليه خلال الأيام، وربما الأسابيع القليلة المقبلة، الحراك الشعبي في ساحة رياض الصلح الواقعة على "مرمى حجر" من السراي الحكومي، أيا كان المصير الذي سيؤول إليه ملف النفايات الذي كان الذريعة لانطلاقه في هذه المرحلة الحساسة محليًا واقليميًا ودوليًا بالذات.