قيل إنهم شباب "الخندق"، مرّة أخرى قيل إنهم مندسون، ومرّة ثالثة قيل إنهم زعران، لكنّ الأكيد، إن كان ما يحصل ثورة، فهم الثورة!
هم حتماً فقراء، وصلوا إلى الساحة من مناطق مختلفة، اسماء بعضهم ذات الإيحاءات الطائفية تقول ذلك. سلوكيات هؤلاء مختلفة عن سلوكيات آخرين شاركوا في الحراك. يرى هؤلاء أنفسهم غير معنيين بحراك سلمي. هم يعبّرون عن إعتراضهم بنفس طريقة تأثرهم بالـ"ظلم" السياسي – الاجتماعي – الانمائي والمعيشي الذي يتعرضون له، وهم طبعاً الأكثر تأثراً.
هنا وسط بيروت، وهنا تتجلى السلطة بتعقيداتها، الإقتصادية والسياسية وربما الأمنية، وهنا الثأر وفق عقلية من هُمّش بسبب هذه السلطة وسياساتها الاقتصادية والمعيشية والمحاصصتية. هنا تفريغ غضب راكمه هؤلاء لسنوات.
نظّم هؤلاء أنفسهم بسرعة. تجمعوا وهتفوا، وضحكوا وشاغبوا، واستمروا في حراكهم، وإستطاعوا السيطرة على الشارع بعد دقائق. أصبح المنظمون يتفرجون على "الثوار". الثوار لا يخافون.. قد يكون الخوف صفة إنسانية، لكنّ من يصل الى الفعل الثوري لا يملك عادة ما يخاف عليه، لذلك الثوار لا يخافون. الإعتقال تفصيل. وتكسير مرفق عام أكثر تفصيلاً. فالدولة عندهم غير موجودة، ولو كانت كذلك لما كان وضعهم على ما هو عليه.
رغم المحاولات، لم يستطع أحد إحتواء شباب هذه المجموعات. أساساً، إن كان ما يحدث ثورة، فالثورة لا تحتوى، وإلاّ لكانت إحتوتها السلطات. آخرون حاولوا تحديد اماكن الإعتصام التي تمددت بفعل الحركات الإحتجاجية شبه العنفية، ولم ينجحوا، فالثورة لا تحدّها ميادين، ولا تُنظّم، ولا تُضبط، وإلا لكانت السلطة فعلت ذلك..
أوصل "المشاغبون" عن غير قصد رسائل كثيرة، قالوا، إن التغيير لا يتمّ إلا بالضغط على السلطة، وتشتيتها، وإفقادها صوابها. قالوا، إن زعران السلطة الناعمين، لا يُجابهون إلا "بزعرنات" مقابلة. قالوا، إن الفقراء وقود الثورة، هم ينتصرون لها، يقاتلون فيها، ويقودون خطوطها الأمامية، فيما يهرب من دفعه الترف الثقافي للتواجد في الساحات...
الحراك لا يزال مستمراً. خرج بالتأكيد من أيدي المنظمين الأوائل، حملت شعلته فئات إجتماعية مختلفة، أهمها ابناء اليسار المؤمنون عقائدياً بضرورة تغيير الوضع القائم، بغض النظر عن أي موقف سياسي آني، وآخرون ثوريون افرزت ثورتهم حالة اقتصادية اجتماعية معيشية، وسلطة استنسابية قمعتهم لسنوات قمعاً ناعماً.... وغير ناعم.
("لبنان24")