وُصفت بـ"ثورة 22 آب" والعُرس الكبير والإنتفاضة العظمى، فيما وصفها آخرون بالمهرجان والكرنفال و"ثورة أقوى سيلفي". لكن، وبغض النظر عن المقاربات المتباينة والتحليلات المتناقضة، لا يختلف اثنان على أن ما حصل السبت في ساحة الشهداء بدعوة من حملة "#طلعت_ريحتكم" كان صرخة وجع وغضب ويأس؛ من الشعب إلى السلطة والسياسيين. أما عن "أمل التغيير" وطبيعة النظام اللبناني العصيّ على الانهيار، وأولويات المطالب وآليات تحقيقها، فينقسم اللبنانيون وفقاً لرؤيتهم للمستقبل، بين متفائل، وبين متشائم مدرك لطبيعة التركيبة السياسية وطرائق إدارة الشأن العام في لبنان.
وكما في كل حراك، تباينت تقديرات الجهات المراقبة في تحديد أعداد المشاركين الذين بلغوا، بحسب أحد منظمي الحملة عماد بزي إلى 100 ألف شخص، فيما أكد الناشطون أنهم لم يتجاوزوا الـ20 ألفاً، توجهوا إلى وسط بيروت حاملين أحلامهم ومطالبهم وشعاراتهم على أكتافهم المثقلة أصلاً بالهموم اليومية المعيشية والاجتماعية والحياتية، منها السياسي: كتغيير النظام الطائفي واستقالة الحكومة وانتخاب رئيس للجمهورية، ومنها الإجتماعي كحل أزمة النفايات وتأمين الكهرباء والمياه والعيش الكريم والوظيفة المناسبة.
المشهد الذي يعكس صورة واقعية جداً عن حاجة الناس للتغيير، تخلله كمٌّ كبير من المطالب الطريفة والبسيطة التي كانت طاغية ونشرت أجواءً مضحكة وكوميدية أعطت للحراك رونقاً خاصاً كـ"ماما لو سمحتي تركي النرجيلة" و "بدي ميا خليفة رئيسة جمهورية" و"مندس وافتخر"، أو من عرض سيارته للبيع بسعر مغر، وتلك الباحثة عن الحب فـ "كل ما نحتاجه هو الحب".
مطالبٌ ومُهل؟
وبعيداً عن المشهديات، خلص تحرك السبت الماضي إلى تحديد مهلة للحكومة للقيام بخطوات معينة وإلا، فهل تستطيع هذه الحكومة العاجزة أصلاً عن الاجتماع، من تحقيق المطالب على طريقة "سانتا كلوز" في خلال 72 ساعة فقط، وهي المهلة التي حددتها الحملة لتحقيق بعض مطالبهم كاستقالة وزير البيئة محمد المشنوق، ومحاسبة وزير الداخلية والبلديات نهاد المشنوق، وإجراء إنتخابات نيابية، وايجاد حل بيئي مستدام لملف النفايات، وتحرير أموال البلديات من أسر الصندوق البلدي المستقل.. وإلا فالتصعيد؟؟ المتابع لا يمكنه إلا افتراض أحد احتمالين: أن الناشطين يظنون بإمكان تحقيق المطالب، أو لا. والاحتمال الأول يعكس عدم إدراك لطبيعة النظام السياسي اللبناني من جهة، وطبيعة عمل المؤسسات العامة من جهة ثانية، أما الاحتمال الثاني فيَشي بأنهم يعرفون ذلك ويطلبون حلاً لأزمات عمرها عقوداً وتحتاج أزمنة لحلها، فماذا يقول أحد أبرز المنظّرين للحراك المدني عن هذا الأمر.
يشير الوزير السابق شربل نحاس في حديث تلفزيوني إلى أن "المهلة هي إمتحان رسمي وواقعي وبسيط وكل المطالب تحتاج إلى إجراءات إدارية بسيطة"، مشيراً إلى أنه "على كل عسكري أطلق النار أن يتم توقيفه فوراً دون تحقيق"، موضحاً ان "الصندوق البلدي مستقل عن وزارة المالية ومجلس الوزراء لذا يمكن إنشاء صندوق بلدي مستقل له حساب خاص في مصرف لبنان، وبالتالي، فتح الحساب يحتاج إلى دقائق لإتمامه، وعلى وزارة المالية أن تحول الأموال بعدها إلى الصندوق البلدي، وهذا كله يحصل في 72 ساعة".
سؤالان ولا إجابة!
بعد التظاهرة، ثمة سؤالين مهمين يحتاجان إلى إجابة: ما هو التصعيد الذي ستعلن عنه حملة "طلعة ريحتكم" إذا لم تحقق السلطة مطالبها خلال 72 ساعة؟ وماذا بعد التظاهر من وسائل الضغط؟
في اختصار للمسافة، وفي زمن "الهشتكة" والتشبيك في العالم الافتراضي، انهالت الاقتراحات على مواقع التواصل الاجتماعي، إحداهن غرّدت: "إذا ما لبوا المطالب.. لازم نعمل اضراب وعصيان مدني. لا ندفع فواتير لاكهربا ولا ماي ولا ميكانيك ولا شي"، فيما قال آخر: "والله الـ 72 ساعه تضيع وقت مافي حل غير اسقاط كل الحكومه"، وطلب آخر: "انا برأي لازم تتسكر طريق المطار بالتظاهر". وقال آخر: "لازم ما يطلعو من الشارع ليسقطو الحكومة الغير شرعية.. وكتير عليهن 72 ساعة...هني من 30 سنة ما عرفو يعملو شي بدون يحقق مطالب بـ72 ساعة"، فرّد آخر: "التغيير بدو وقت"ـ لتجيب اخرى: "بدنا مطالب واقعية شوي".
في المقابل، اعترض ناشطون على مطالب الحملة التي "لا تمثلهم"، فقال احدهم: "انحصرت بمطلبين بس..هول مش مطالب الناس اللي نزلت"، فيما طالب عدد كبير بتغيير إسم ومنظمي الحملة "لأنها ثورة الشعب وليست ثورة أشخاص محددين"، وتضامن معهم عدد كبير من الفنانيين والإعلاميين المستقلين في هذا الأمر.
في الخلاصة، مضى من الساعات الـ 72 ثلثاها، فهل تحقق الـ 24 ساعة المقبلة معجزة ونشهد تطورات جديدة؟ السؤال، وإن كان معروف الاجابة سلفاً، يستحق الانتظار ليبنى على الشيء مقتضاه.
(خاص "لبنان 24")