يعتصر الألم الحنجرة حدّ غياب الصوت. في حضرة الصدمة والفاجعة، لا يسع ايلي ابي نادر الا ان يبكي كالاطفال. الرجل ما عاد شاباً، وقد ودّع ابن اخيه الصغير، "سميّتو"، في فسحة خالها مرحا ولهوا وترفيهاً. صدّق انه في لبنان، لا ارض للطفولة. تُسرق الالعاب من الصغار، وفي مرات كثيرة، تقتلهم...
يروي ابي نادر، والحزن يخنق القلب، تفاصيل فاجعة مدينة الملاهي في عاليه، والتي اودت بحياة ابن اخيه الياس ابي نادر (9 أعوام) وأدت الى اصابة ابنة شقيقته "كلويه" (7 اعوام). يقول في حديث لموقع "لبنان 24" انه اصطحب عائلته وشقيقته واولادها وابن اخيه الى مدينة الملاهي في منطقة عاليه، نهار السبت. كانت الساعة السادسة مساء". بعد ان لعبوا في اكثر من لعبة، جاء دور "الحلزونة". جلسوا جميعاً كل في مقعده، الاهل والصغار، وكان الياس وكلويه يجلسان في المقعد الخلفي.
دارت اللعبة دورة اولى، وفي الثانية شعر ابي نادر بخلل ما والم في ظهره، وسرعان ما صرخت شقيقته ايضاً. بدأ بالصراخ ومحاولة تفقد الجميع، فرأى "كلويه" ممددة على الارض رافعة يدها. قفز من مقعده قبل ان تتوقف اللعبة (ولا يعلم ما اذا كانت قد توقفت جراء العطل ام ان احدا اوقفها) هارعاً نحو الطفلة، ليرى عندها ابن اخيه بدوره مطروحاً ارضاً.
يضيف:" بدأت اصرخ طالباً النجدة، الا ان احدا لم يسارع الى المساعدة، حتى العاملين في المكان. حملت الصغيرين وتوجهت بهما الى المستشفى". يشير ابي نادر الى ان الطبيب الشرعي اكدّ ان الطفل الياس توفي على الفور نتيجة كسر في الرقبة. وفيما نقلت الطفلة كلويه من مستشفى "الايمان" الى "مستشفى الروم"، لا تزال تعالج لكنها خرجت من العناية الفائقة. "حالها مستقرة وجيدة"، يؤكد ابي نادر، "لكننا لا نعلم وضع عينها حتى الساعة كونها متورمة ومغلقة".
الفاجعة التي المّت بعائلة لم تتوقع ان الالعاب تقتل الاطفال، ولم تدرك ان الاهمال في لبنان يسرق البراءة والاحلام، كبيرة وثقيلة. لم يحتملها والد ابي نادر، اي جدّ الطفل، ففارق الحياة ايضاً، مصرّا على مرافقة حفيده...حتى السماء.
من يتحمل المسؤولية؟ يجيب ابي نادر وهو مدرك ان الخسارة لا تعوّض:" بالطبع صاحب مدينة الملاهي ومستثمرها، وقد تقدمنا بدعوى في هذا السياق لدى القضاء المختصّ. ثمة تقصير واضح، وغياب للصيانة، بالاضافة الى عدم وجود مركز للاسعافات الاولية".
مأساة عائلة ابي نادر ليست الاولى من نوعها. ففي مطلع شهر ايار الفائت، توفيت الشابة مريم الطباع في احدى مدن الملاهي في مدينة طرابلس. فاين السلامة العامة في الملاهي والنوادي العامة المخصصة لألعاب الأطفال؟ من يراقب، من يحاسب، ما هي الشروط، وما هي الاسباب التي تؤدي الى سقوط ضحايا في حوادث مختلفة؟ وعلى من تقع المسؤولية؟
قطاع يعاني الفلتان والاهمال
بعد حادثة مدينة الملاهي في طرابلس، قامت جمعية "لاسا" (الجمعية اللبنانية للوقاية من الحوادث المدرسية) بجولات تفقدية على عدد كبير من مدن الملاهي الموجودة في لبنان، لتخلص الى حقيقة مرّة: لا حدّ ادنى من السلامة العامة!
يشرح رئيس الجمعية جو دكاش في حديث لموقع "لبنان24" ان "احدى المشاكل الرئيسية تكمن في غياب نصّ قانوني يضطلع بشروط السلامة العامة في مدن الملاهي،كما الى عدم وجود اي جهة رسمية تناط بها مهام وضع شروط لاقامة مدينة للملاهي، والمراقبة والمحاسبة. فيمكن، مطلق اي شخص ان يستثمر قطعة ارض من البلدية التي يقتصر دورها على اعطاء الترخيص واستيفاء قمية الرسوم، كي يبني مدينة للملاهي".
وفي ظلّ غياب النصّ القانوني ودفتر الشروط وسلطة وصاية (وزارة او عمل مشترك بين عدد من الوزارات المعنية) تصبح هذه المنشآت التي يفترض انها مخصصة للهو والترفيه، بيئات حاضنة للكوارث والمآسي.
للاهمال والتقصير وعدم اللامبالاة اكثر من وجه في هذا السياق. يشير دكاش الى ان عددا من اصحاب مدن الملاهي هذه يعمد الى تقليد الالعاب عبر صناعتها محلياً، فتكون بالتالي غير مستوفاة لمعايير السلامة تقنياً وتفتقد الى "قطع الغيار". وثمة من يلجأ الى بعض البلدان الشرق اوسطية ليشتري العابا مستهلكة وغير صالحة للاستعمال، وذلك بهدف التوفير، علماً ان لا رقابة في المرافئ على استيراد مثل هذه الالعاب.
واذا كان ثمة من يعرض العاباً مستوفاة للشروط وصالحة للاستعمال، الا انه يهمل عملية الصيانة، التي يفترض ان تتمّ يومياً في حال الاقبال الكثيف، او اقلّه مرتين في الاسبوع. بحسب دكاش، لا يكلف بمهمة الصيانة مطلق اي عامل، بل عليه ان يكون خبيراً ملما بالقطاع الميكانيكي والكهربائي.
ويضيف:" من الضروري ايضاً اخضاع العاملين الى دورات تدريبية، منها ما يتعلق بكيفية تشغيل هذه الآلات ومراقبة عملها لرفع تقرير يوميّ الى الخبراء، ومنها ما يتعلق بالاسعافات الأولية واساليب التصرف في حال وقوع حادث. والاهم ان يتحلوا بوعي وقدرة على التقييم: ففي حال شعروا بأن رواد اللعبة عاجزين عن تحملها، عليهم التخفيف من سرعتها او ايقافها على سبيل المثال".
في موازاة ذلك، يشدد دكاش على ضرورة اقامة مركز للاسعاف في مدينة الملاهي او الى جانبه، وهذا ما تفتقده معظم مدن الملاهي في لبنان. ويلفت الى ضرورة تصنيف الالعاب بحسب الاعمار والطول، والتأكد من انها مزودة بوسائل الحماية اللازمة.
جمعية "لاسا" بصدد التواصل مع عدد من المحامين بغية وضع نصّ تمهيدي لمشروع قانون مختصّ بالسلامة العامة في مدن الملاهي. والى ان يولد هذا القانون وتتولى وزارة او اكثر مسؤولية هذه المنشآت، يدعو دكاش البلديات الى تولي مسؤولية المراقبة والصيانة وضمان استيفاء شروط السلامة العامة لدى اعطاء تراخيص لبناء مدينة للملاهي.
("لبنان 24")