تثبت التطورات المتسارعة على الساحة الداخلية، يوماً بعد يوم، أن الطبقة السياسية المتربعة على السلطة في وادِ، والشعب المنتفض في وادِ آخر، وتفصل بينهم هوّة سحيقة فرضها تراكم مخيف للمشاكل العالقة في عنق زجاجة المصالح السياسية الضيقة.
وما تراه هذه الطبقة أولويات يعتبرها الذين نزلوا إلى ساحة الشهداء مضيعة للوقت وتهميشاً للمطالب الاساسية، والتي لها علاقة مباشرة بحياة الناس، وهم سينزلون اليوم أيضاً للتذكير بها وللمطالبة بتسريع الحلول، وقد تكون ضرورة ايجاد حلّ لأزمة النفايات بداية البدايات.
المتظاهرون سينزلون اليوم أيضاً إلى الساحة ليقولوا أن مطالبهم لن تموت ولن تسيًس ولن "تتمودر"، وهم ماضون في تحركهم، وإن كان العدد بات أمراً ثانوياً، حتى تحقيق ما يطالبون به.
لن يكبّروا الحجر، وهم يعرفون تمام المعرفة أن النتائج تبدأ بخطوة أولى تليها خطوات، على رغم الكمً الهائل من الشعارات التي رفعت في ساحة الشهداء يوم السبت، وما قبله، وهي تدعو إلى تغيير النظام واسقاط الحكومة.
الحماسة المفرطة في هكذا مواقف مبررة ولها اسبابها الموجبة، ولكن لا يضير المتظاهرين القليل من التنظيم وجدولة الاولويات والمطالب، حتى يستطيعوا النفاذ من مكان معين للوصول إلى ما يهدفون إليه، من دون أن يعني ذلك التراجع إلى الوراء، بعدما وضعوا اصبعهم على الجرح النازف.
فإسقاط الحكومة في هذا الظرف هدف بعيد المنال طالما أن البديل غير متوافر، وطالما أن ثمة إرادة دولية واقليمية ببقائها في ظل الفراغ الرئاسي، وهذا ما أكدت عليه قمة بكركي بالامس، وهذا ما يؤكده حتى الذين لا يرضيهم أداؤها، أمثال العماد ميشال عون وغيره من الاطراف السياسيين.
صحيح أن نبض الشارع فرض على هذه الطبقة السياسية نمطاً مغايراً عن الانماط التي كانت سائدة قبل 22 آب، وصحيح أن معالجة الملفات ستسلك طريقها نحو الانفراج، ولو ببطء، وصحيح ايضاً أن ما بعد 22 آب لن يكون كما قبله، وانما الصحيح كذلك أن الحماسة وحدها لا تكفي للتغيير، بل يتطلب ذلك منهجية سليمة في العمل المطلبي، وهذا ما تحتاج إليه الحركة الشعبية لكي تستطيع الوصول إلى أهدافها بحكمة ومثابرة وبنفس طويل، لأن المراهنين على سقوطها كثيرون، وهم يتربصون بها عند المنعطفات والمنزلقات الخطرة.
("لبنان24")