في لبنان الحالة بائسة والناس على شفير اليأس خصوصاً فئة الشباب، لكن الوطن أيضاً على شفير الهاوية والمشهد على صعيد الحراك المدني لم يعد عادياً.
شاهدناهم ينزلون بالعشرات لا بل بالمئات الى ساحة رياض الصلح حاملين لافتات "طلعت ريحتكم" هاتفين بشعارات منددة بالوزراء والمسؤولين عن أزمة النفايات. الحراك المدني حق كرسه الدستور، صحيح أن في البلد عقلاء لكن هناك أيضاً عقولا مخربة وأيادي ترسم وتخطط لأخذ هذا الوطن نحو مشروعها التدميري مستغلة الفرص، كل الفرص، حتى تلك المسماة "تحرك المجتمع المدني". ما يقال على المنابر وفي الساحات يتفلت من كل عقال والمطالب لا تعد ولا تحصى من "طلعت ريحتكن" الى "بدنا نحاسب" الى "حلوا عنا" الى "ثورة ثورة ثورة" وصولاً الى "الشعب يريد إسقاط النظام"، فهل يدرك منظمو هذا الحراك ماذا يعني إسقاط النظام؟
في الوقت الذي يطالب فيه عدد من المواطنين بإسقاط النظام اللبناني، يسعى معظم العرب في دولهم الى "لبننة" نظام دولهم ليخرجهم من الحروب والصدامات التي دمرت بلدانهم. قد يكون شباب المجتمع المدني وجد في هذا الحراك متنفساً ما لكن شيئاً ما كان ينقص حتى لا يتم تحريف الحراك أو على الأقل تحويل مساره.
يضع عادة منظمو الحراك خارطة طريق، لكن منظمي حملة "طلعت ريحتكن" وأخواتها، على رغم أحقية الهدف الأساس الذي من أجله تحركوا، نسوا أو تناسوا نتيجة تلوث الفكر المؤسساتي، أكثر من ذلك هناك جهات عملت على استغلال هذا التلوث الفكري فسربت "مندسيها" لخلط الأوراق، وفجأت "فلت" الشارع، نزل المندسون والمشاغبون ليخربوا ما عمره عشاق الحياة في هذا الوطن، كسروا واجهات المحال، انتزعوا إشارات السير، شوهوا الجدران بشعارات أقل ما يقال عنها أنها تؤسس لحرب أهلية جديدة، حتى التاريخ عبثوا فيه فلم يرحموا تمثالاً شاهداً على تاريخ استقلال لبنان، فلماذا انحرف الحراك عن صفته المدنية؟
العضو المؤسس للمؤسسة اللبنانية للسلم الاهلي الدائم البروفسور أنطوان مسرة الذي عايش تجربة المجتمع المدني على مدى أربعين عاماً يقول إن المشهد في ساحة رياض الصلح لم ولن يصدمه مهما طال زمن هذا الحراك بقدر ما آلمه أن يصير حراك المجتمع المدني، الذي نزل الى الشارع لأهداف محقة حركات شغب وفوضى ومؤشر لما هو أخطر من مجرد أزمة نفايات.
يقول مسرة إن هناك ثلاثة عناصر تجعل من حراك المجتمع مدنياً وهي: أن تكون انطلاقته من حاجات المواطن وشؤونه اليومية والحياتية على عكس ما يجري في السياسة، أن يسعى الى المصلحة العامة وأن يستند الى القانون كمرجعية، فأين الحراك المدني من كل هذه العناصر الأساسية لتحقيق الأهداف؟
يبقى السؤال ماذا عن تغيير النظام أو إسقاطه؟ يقول مسرة "لدينا إرث تلوث قيم الجمهورية، وهو إرث ثقيل لكن علينا أن نستعيد هذه القيم لا أن نحفر لها حفرة أعمق منها بكثير. من ينادي بإسقاط النظام لا يعلم أن هذا النظام، على رغم الفساد اللاحق بالممسكين به، أثبت أنه أقوى من أي نظام موجود في الدول العربية المحيطة بنا لذا علينا أن نساعده ليستقيم لا أن نطالب بإسقاطه".
("لبنان 24")