ما شاهده اللبنانيون بالامس مشهد لا يطمئن ويدعو إلى القلق والتوجّس مما يخطط له.
مطالب شعبية محقّة، وكنا ننتظر منذ زمن بعيد أن يتحرك اللبنانيون للمطالبة بما هو الحد الادنى من حقوق، تُعتبر في الدول التي تحترم ناسها من الاولويات، ومن باب تحصيل الحاصل.
وقد يكون التعبير عن هذه المطالب، بفعل حماسة المتحمسين، قد أخذ طابعاً استفزازياً للسلطة التي تعتبر نفسها مستهدفة من هذا الحراك، خصوصاً أن لغة الشتمّ لم تغب عن الساحة واختلطت بالمطالب الحياتية، فتحولت الشوارع إلى ساحات هرج ومرج.
القوى الامنية تعرضّت لأكثر من إهانة، وهي أستُفزت أكثر من مرّة، لكن ردّة فعلها جاءت عنيفة، إذ تعرّض المحتجون والمتظاهرون للضرب المبرح بالهراوات.
هل تُلام القوى الامنية على ما فعلته، وهي المولجة بالحفاظ على الامن والاستقرار وحماية المتظاهرين من المندسين، الذين يحاولون بشتى الطرق حرف الحراك عن مساره الطبيعي، وتشويه صورته، وتحويل نظافته إلى مواجهة مع هذه القوى، بما تخفيه هذه الاعمال من نوايا مبيتة وغير بريئة؟
ولكن التعامل مع هذه الظاهرة بقساوة وبعنف لن يحلّ المشكلة بل يزيدها تعقيداً، فيذهب "الصالح بيغر الطالح"، وتعمّ الفوضى، ويتحوّل الحراك النظيف إلى حراك غوغائي، وتصبح المطالب الشعبية المحقة مطية لاهداف وغايات تخرج عن ارادة الذين نزلوا إلى الشوارع لكثرة ما يعانونه من وجع في أكثر من مكان.
ليس بهذه الطريقة يصل المتظاهرون إلى ما يطالبون به، خصوصاً أن ليس لديهم بدائل وحلول للازمات التي يشكون منها. وفي المقابل ليس بهذه الطريقة يتم التعامل معهم من قبل القوى الامنية. وهي ستزيد الجو ضغطاً وتشنجاً، خصوصاً أن المشاهد التي حصلت في ساحات الاخرين لا تزال ماثلة أمام العيون.
فإذا كان قادة الحراك المدني جادّين في الوصول إلى تحقيق ما يطالبون به، وقد أوصلوا الرسالة عبر الشارع، فإن عليهم أن ينظموا أنفسهم ويضبطوا حركة الشارع قبل أن يفلت من ايديهم، فتطير المطالب ويطير البلد. وعليهم ايضاً أن تكون لديهم بدائل وحلول لكل مشكلة، إذ لا يكفي طرح المشكلة بالصراخ والشعارات والتهييج، إلاّ إذا كان ما يُتهمون به حقيقة.
في المقابل على السلطة السياسية أن تدخل مع ناسها في حوار جدّي وعقلاني لتقريب المسافات واختصار عذابات الناس، وذلك بالمباشرة الفورية ومن دون تأجيل وتسويف، بترجمة الاقوال افعلاً على الارض وبرمجة المطالب الشعبية، وخوض غمار الاصلاح الحقيقي، بخطوات عملية وسريعة قبل فوات الآوان.
("لبنان 24")