لو لم تختلف الأطياف السياسية المشاركة في حكومة المصلحة الوطنية على آلية عمل هذه الحكومة لشهدنا الكثير من السجالات العقيمة على خلفية الخلافات بين الأفرقاء المعنيين في شتى المجالات، ومنها السجال بين نقابة الصيادلة وخمس جامعات لبنانية تقدمت مؤخراً بتراخيص لاستحداث كليات صيدلة، هذا البند الذي رحل من جلسة الى أخرى من دون التوصل الى اتفاق بشأنه، يبدو أنه يرتكز الى قرار اعتباطي غير مبني على دراسة الجدوى الاقتصادية وقدرة سوق العمل الإستيعابية ومدى انعكاس تخريج أعداد كبيرة من الصيادلة على مصلحة القطاع في شكل عام.
في لبنان أربع جامعات تمنح شهادة الصيدلة، وهي: الجامعة اللبنانية، الجامعة اليسوعية، جامعة بيروت العربية والجامعة اللبنانية - الدولية، علماً أن سياسة الترخيص السريع التي اعتمدتها الحكومات المتعاقبة منذ العام 1992 أدت الى ازدياد عدد الجامعات الخاصة لتلامس عتبة الأربعين.
بعض هذه الجامعات فرض نفسه بقوة، والبعض الآخر يسير "بشق النفس"، حيث يكون خفض الأقساط الجامعية مدخلاً لاستقطاب طلاب عاجزين عن دفع أقساط مرتفعة، كما ظهرت مخالفات في بعض المؤسسات المرخصة بتدريسها اختصاصات خارج ما ينص عليه الترخيص المعطى لها.
في مطلق الأحوال، اذا كان مجلس الوزراء يملك سلطة القرار بالترخيص أو عدمه في كل الاختصاصات، فهو يرتكز في قراره الى توصية تصدر عن مجلس التعليم العالي التابع لوزارة التربية، والذي يحيل ملف الجامعة صاحبة الترخيص من خلال مشروع مرسوم الى مجلس الوزراء، مع الإشارة الى أن وزير التربية هو من يرأس هذا المجلس يعاونه مدير عام التعليم العالي الى عضوين دائمين هما مدير عام وزارة العدل ورئيس الجامعة اللبنانية.
يعتبر نقيب الصيادلة ربيع حسونة أن الموقف الرافض لقرار الترخيص هو مهني بحت منعاً للبطالة المقنعة تحت ستار حرية التعليم، سنداً الى دراسة للنقابة تشير الى فائض في عدد الصيادلة في لبنان .الكلام منطقي أذا عرفنا أن نقابة الصيادلة تسجل سنوياً نحو 490 صيدلياً جديداً، غالبيتهم يتخرجون من كليات الصيدلة في لبنان مما يعني أن الكليات القائمة تلبي حاجات السوق ولا داعي لفتح كليات جديدة.
الإحصات تشير الى أن عدد الصيادلة المسجلين في النقابة تجاوز سبعة الآف وعدد الصيدليات 2750، وهي نسب مرتفعة جداً قياساً إلى المعايير الدولية، وبالتالي فإن نسبة الصيادلة لكل مواطن هي أربعة أضعاف المعدل العام العالمي، ونسبة الصيدليات قياساً على عدد السكان هي أيضاً الأعلى في العالم. نقيب الصيادلة يشير الى أن مدخول الصيدلي تدنى الى ما دون 1350 دولاراً شهرياً، وهناك تقريباً نحو ألفي صيدلي عاطلين عن العمل، بينما لا يتجاوز عدد الذين يعملون في الخارج 350 وذلك نظراً الى شروط العمل الصعبة، التي تفرض عليهم في الدول التي يعملون فيها ومنها الخضوع من جديد لامتحان الكولوكيوم.
صروح التعليم العالي في لبنان صورة مطابقة للتنوع اللبناني بكل أبعاده ولسوء الإدارة بكل تفاصيلها، ففي لبنان وحده دون سواه تزدهر رسالة التربية والتعليم العالي الجامعي في ظل غياب رؤية سياسية وتعليمية واضحة وموحدة.