مع أن المسافة التي تفصل بيروت عن عمان لا تتعدى بضعة المئات من الأميال، ومع أن الرحلة من مطار عاصمة لبنان إلى عاصمة المملكة الأردنية الهاشمية لا تستغرق أكثر من ساعة وعشر دقائق، إلاّ أن الواصل إلى هذه العاصمة لا يستطيع إلاّ أن يلاحظ الفرق بين العاصمتين.
الفارق بسيط. هناك لا تعرف كيف تصل إلى المطار وانت محاط بالنفايات من كل حدب وصوب. وهنا نظافة شوارع وهواء غير ملوث.
هناك، أي في بيروت، لا تعرف كيف تصل إلى المطار أو إلى مكان تقصده من دون أن تحرق أعصابك، نتيجة التدافش والتزاحم على الطرقات، وكل يعتبر أن الطريق ملك أبيه. وهنا، أي في عمان، فنظام السير أساسي. كل واحد يقود سيارته بكل احترام. وكل يسير في الخط المخصص له. لا فوضى ولا تزاحم ولا تشاطر.
هناك قلق وحراك ومطالب وأعصاب مشدودة.
أما هنا فالمشاكل محلولة، لأن ثمة قانوناً يسير الجميع في ظله، من دون أن يعني ذلك أن لا مشاكل ولا أزمات، لكن الفرق أن لكل مشكلة حلاًّ.
تسأل الذين تلتقيهم في شوارع عمّان عن تأثير النزوح السوري على أوضاعهم الداخلية، فيجيبونك بأن هذا الحمل ثقيل، ولكن الدولة تهتمّ بهذا الأمر. وآخر قرار اتخذته الحكومة الأردنية في هذا الشأن هو رفع الدعم عن كثير من السلع الاستهلاكية. وعندما تسأل عن السبب يأتيك الجواب بأن المواطن الأردني يدفع الضرائب مقابل ما تقدمه له الدولة من خدمات. أما الغريب الذي لا يدفع الضرائب فيستفيد من أي دعم مخصص في الاساس للمواطن الذي يدفع الضرائب.
ومع ذلك تفهم الشعب الأردني دوافع هذا القرار وايدّه، لأنه اعتبر ذلك لمصلحة البلاد ولتعزيز وضعها الاقتصادي.
مثال آخر على الفرق: دعاني أحد الأصدقاء إلى العشاء، وفي طريق العودة استقليت تاكسي، وكانت الساعة تقريباً تشير إلى الواحدة بعد منتصف الليل، وكانت الشوارع شبه خالية. وعند الاشارة الحمراء توقف السائق منتظراً الضوء الأخضر، فقلت له ممتحناً: تستطيع المرور. فالطرقات خالية. فالتفت إلي وبكل أدب قال لي: "عفوك سيدي. أنا باحترامي قوانين السير أكون أحترم ملكي. وانتظر حتى كان الضوء الاخضر. وأكمل طريقه".
وعلى رغم كل ذلك الجميع هنا يحسدون اللبنانيين على عيشتهم ويتمنون أن يزورونه في أقرب وقت، "لأن لا بلد في العالم يشبه لبنان وشعب لبنان".
لا تعليق.