التطور الكبير الذي يحصل في سوريا أن القوات الروسية تقوم للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية بعمليات عسكرية خارج أراضي الإتحاد السوفياتي سابقاً أو على حدوده مباشرة . وهذا يدل على أمرين جوهريين: الأول، أن النفوذ الروسي المباشر أصبح واضحاً في تأثيره على مجريات الأمور وصناعة الأحداث، والثاني إنهاء احادية الولايات المتحدة الاميركية التي برزت بعد انهيار الإتحاد السوفياتي.
فللمشاركة العسكرية الروسية في سوريا إبعاد دولية واقليمية ومحلية على مستوى هذه الدولة. صارت روسيا اليوم موجودة بحراً وبراً وجواً لتشن حرباً على الإرهاب. تطور أجبر الجانب الأميركي على التحدث اليه مجدداً بعد تقصد مقاطعته لمدة طويلة، وقد بدأ التواصل فعلياً بين ضباط عسكريين اميركيين وروس.
كخيار استراتيجي دخلت روسيا الى سوريا الدولة التي لا تريد سقوطها ولا تقسيمها ولا إضعاف جيشها. ومن على الأراضي السورية، قررت خوض حرب استباقية ضد مجموعات إرهابية شيشانية وأفغانية وطاجكية وغيرها تشكل تهديداً فعلياً لها في المستقبل.
تشعر روسيا أن أميركا تلعب لعبة العراق في سوريا وهي تريد التصدي لهذا الأمر. استبقت حضورها في سوريا بعمليات مسح كامل لكل المناطق السورية وقامت قواتها بعمليات محدودة ثم توسعت وستتوسع أكثر لتشمل كل المناطق السورية تقريباً، واسطول البحر الأسود سينتقل الى شواطئ اللاذقية وسيتم إستقدام قوات "مارينز" لتغطية قواتها وحماية منشأتها العسكرية في سوريا.
ونتيجة التدخل الروسي تغير المناخ السوري كلياً، بالنسبة إلى السوريين في الداخل وسياسياً عبر مواقف دولية وزيارات كان آخرها رئيس المخابرات الاسترالية الذي زار سوريا مؤخراً، وتحدث عن استحالة الحل من دون التعاون مع الجيش السوري .
وخلال الشهر المقبل ستدعو روسيا الى إجتماع تشارك فيه أميركا وروسيا وتركيا والسعودية وإيران ومصر، لتأليف مجموعة من أجل سوريا وستحصل اجتماعات تمهيداً لمؤتمر "جنيف 3". وبالموازة، قام سفير روسيا في اليمن بزيارة للسعودية ثم عاد الى صنعاء محاولاً إيجاد خرق في جدار التفاوض السوري السعودي.
تخوض روسيا حربها على الإرهاب في سوريا وهدفها إعادة فرض هيبة الدولة وفرط المجموعات المسلحة، ولكن عينها على الحل السياسي. على وقع الضربات الروسية، يتم البحث عن حلول سياسية للحرب الدائرة في سوريا، وفي الوقت عينه تتوجه الانظار الى العراق حيث دخلت روسيا عبر غرفة عمليات مشتركة.
إنه الواقع الجديد الذي تتسابق فيه ضربات العمليات العسكرية مع الديبلوماسية الناعمة، ولكلا الخيارين ثمن، خصوصاً وأن القيصر الروسي في حربه داخل سوريا، سينتقم لهزيمة الاتحاد السوفياتي في افغانستان على يدي اسلاف "داعش" و"النصرة" وداعميهما.
("لبنان24")