يقول أحد من يعرفون العماد ميشال عون تمام المعرفة إنّ الرجل يتصرف على أساس أن رئاسة الجمهورية لم تعد خلف الأبواب، وهي لم تكن أصلاَ مذ أن تربع فخامة الشغور على كرسي بعبدا. ولكن في لحظات محددة اعتقد أنّ اللبننة واردة خلافاً للسياق التاريخي للاستحقاق الرئاسي، وأنّ بإمكانه أخذ الانتخابات من الداخل الى الخارج على متن التوافق المحلي ليصير أمراً واقعاً لا يحتاج الا لمصادقة أهل الوصاية الاقليميين.
لكنه فشل بعدما صدّت الأبواب بوجهه وأعادته المحاولة الى الرابية خالي الوفاض، وتأكّد له أنّ الحل والربط لا يزال مقيّداً بقرار ليس باليد ولن تنفع كل المساعي المحلية لحياكة عباءة الرئيس طالما أنّ القرار الاقليمي لم يتخذ بعد.
هكذا يحاول الرجل ملء الوقت الضائع ببعض الحراك السياسي. صار معلوماً أنّ عودة "التيار الوطني الحر" الى الشارع من باب التظاهرات التي يحبها ناسه ويعشقون تجمعاتها ويتحمسون على وقع شعاراتها، لا تهدف الى استعراض لياقة التنظيم البرتقالي طالما أنّ توظيف هذا الاستعراض لن يجد له مستثمراً.. وانما له وظيفة أخرى وهي شدّ عصب الحزب الناشىء مؤسساتياً والعتيق نضالياً.
عملياً، يعرف العونيون قبل غيرهم أنّ الانفلاش البشري في الشارع يراد منه تخطي مرحلة التوتر الداخلي الناتجة عن تسوية الانتخابات والتي أتت بجبران باسيل رئيساً للحزب، وفي محاولة للتعويض عن سنوات الفوضى داخل التنظيم والتي أدت الى تراخي أوصاله، وفي مسعى واضح الى تثبيت شرعية الرئيس الجديد الذي خطف قانونية الموقع بمصيدة التوافق، ويحاول شدّ أحزمة الشرعية.
هذا الأمر لا يزعج الجنرال الذي نزل بكل ثقله الى معركة "التيار الوطني الحر" ليصير جبران باسيل أول خليفة له، وفي الوقت عينه يحاول الاستفادة من الزخم البشري الذي تعيد احياؤه التظاهرات البرتقالية ليقول لمن يحاول زركه في الزاوية: لا زلت الأقوى مسيحياً.
يقول عارفو الرجل إنّه يتصرف راهناً بطريقة المرتاح على وضعه. قبل نحو شهرين بدا الجنرال محشوراً في ملف التعيينات العسكرية. يحور ويدور كي يمنع التمديد الثاني لقائد الجيش. كان الرجل في موقع "الطالب"، خصوصاً وأنّ خصومه نجحوا في "تشخيص" المعركة ليعرّوا قائد فوج المغاوير العميد شامل روكز من كل رصيده العسكري ويتركوا له ورقة المصاهرة.
كل خطوة كانت تحسب على ميشال عون، ليحاسب عليها. وجلّ ما حاول الخصوم فعله هو اخراجه من المولد بلا حمص. أرادوا له نهاية مأساوية قبل تلقينه الضربة القاضية في المعركة الرئاسية. لهذا طلعوا ونزلوا معه لتصويره بأضعف مواقعه... قبل أن يقولوا له "كش ملك".
أيام قليلة تفصل عن لحظة الحسم. قبل 15 تشرين الأول يفترض أن تقرر الأغلبية الحكومية كيف ستتعامل مع استحقاق احالة روكز الى التقاعد. ولكن حتى الآن، يبدو أن ميشال عون يأخذهم الى حيث يريد: اعطوني الترقيات وخذوا الحكومة. والا فسنذهب جميعاً الى البيت. هم يعرفون جيداً أنّه لا يناور وأنّه سيفعلها اذ حشر بالزاوية. وهو يعرف أنهم يعرفون. ولهذا يلاعبهم على حبل الوقت.
يوم الأحد سيطل الجنرال على ناسه، ومن سيسمعه سيدرك جيداً أنّه لا يزال في المربع الأول ولم يتراجع قيد أنملة. لا يزال الأقوى.
("لبنان 24")