يبدو النزوح السوري وكأنه معضلة أرادت تركيا إستخدامها للضغط على النظام بصفته قاتلًا ومجرمًا بحق شعبه وتسويق نفسها كحامي للشعب السوري، ولكن مع الوقت ارتد الأمر عليها فتحول هذا النزوح إلى مشكلة داخلية من الصعب التغلب عليها.
منذ بداية الحرب السورية إستقبلت حكومة أردوغان نحو مليون ونصف المليون نازح سوري في الجنوب التركي، وأقامت نحو 22 مخيماً، معظمها في الجنوب، لاستيعاب هذه الأعداد الضخمة، كما صرفت نحو 4 أو 5 مليار دولار كمساعدات وطبابة وتعليم وغيرها، فضلا عن احتصان المعارضة السورية بشكل كامل.
بحكم تبدل الظروف خفت الحماسة للثورة السورية كما انخفضت مظاهر التضامن عند الفئات الشعبية التركية، لا بل تحول النزوح السوري إلى نوع من النقمة العامة، خصوصاً أن بعض المواطنين الأتراك لا يرون بالنازح السوري إلا منافساً غير شرعي بكل المقاييس.
ترتفع أبراج المراقبة في مخيم "kilis"، وهو الأشهر والأقدم الذي أقامته حكومة أردوغان غرب مدينة "Kilis"، مع الأعلام التركية وإلى جانبها أعلام الثورة السورية، تبدو كعلامة من بعيد تدل على موقع هذا المخيم الذي يضم نحو 40 ألف نازح سوري، فيما يتوزع 60 ألف آخرين في أرجاء القرى الزراعية المتفرقة، على غرار مناطق أخرى مثل "غازي عينتاب" أو أورفا أو ماردين في محافظات الجنوب التركي المحاذي لسوريا.
عند مدخل المخيم الإجراءات الأمنية مشددة من إنتشار كاميرات المراقبة في كل الأرجاء، إلى عمليات التفتيش ومصادرة الهواتف وآلات التصوير والتسجيل، ويقولها رجل الأمن التركي واضحة "عمل الصحافة ممنوع من دون وجود تصريح".
وجوه السوريين خلف الأسلاك الشائكة، تخفي الكثير من علامات القلق ، فهم انتقلوا من جحيم القتل إلى معسكرات إعتقال مقفلة تحت عناوين "حماية النزوح السوري". والملفت أنهم تهربوا من أي إجابة حول ظروف إقامتهم، وجلّ ما يفعلونه هو الإشارة إلى المدخل الأساسي كمعبر أساسي وسماح الأتراك بالحديث معهم.
لعل المشكلة الأساس الآن تكمن في أن عدد الولادات بلغ، وفق الإحصاءات نحو 150 ألف طفل سوري، وهذا العدد بالطبع مرشح للإزدياد، وهؤلاء يحصلون على إقامات مؤقتة من وزارة الداخلية التركية تسمى "kemlek"، وإعانات مالية خاصة، شرط أن يمكثوا داخل المخيمات المعدة للنزوح السوري، ولكنهم يتسببون بحقد بدأ يتعاظم عند المواطنين الأتراك. فضلا عن قضية متصلة وهي ولادة نحو 45 طفلا تركيا نتيجة زيجات مختلطة مع نساء سوريات وهو ما يثير حساسية إجتماعية بالغة عند الأتراك.
لم يستسغ "سامر"، النازح السوري، فكرة بقاء زوجته وطفله داخل مخيم النازحين في "kilis" فغادره منذ نحو سنتين إلى إنطاكية، حيث استأجر شقة بعدما ساعدته وكالة إغاثة دولية، وحاول الحصول على عمل ضمن اختصاصه "تصميم الإعلانات"، يتأفف الرجل من الإزدراء التركي على رغم أنه حاول التأقلم مع وضعه المعيشي الجديد ومارس عدة مهن وضيعة مثل بسطة خضار أو نقل المفروشات وغيرها، فكان يحصل على قوت عائلته فقط. زادت ظروفه تعقيدا عندما انقطعت مساعدات الإغاثة ووصل ايجار منزله نحو 1200 ليرة تركية أي ما يعادل 400$ ، جراء إستبداد صاحب الملك التركي، ما اضطره للانتقال إلى Srmazi وهي قرية نائية حيث وجد منزلا يتناسب مع وضعه بـ 400 ليرة تركية حوالي 100 $ فقط.
معاناة سامر متعددة على أن أشدها هو تأمين الطبابة لطفله كونه ممنوع على النازح السوري دخول المستشفى في تركيا إلا على حسابه، أو عليه الذهاب الى مخيمات النزوح فيما غالباً ما يستغل أرباب العمل الأتراك قضية النزوح فيعمدون لتخفيض رواتب السوريين ومعاملتهم بطريقة مذلة من دون وجه حق.
يختم سامر حديثه: "ثمة مشاعر كراهية اصبحت شائعة عند المواطنين الأتراك تجاهنا كنازحين على رغم الاحتضان الرسمي الكامل. كرامتنا تتعرض للإنتهاك يومياً وليس في وسعنا الإعتراض فإما أن نقبل أن تعيش عائلاتنا في معسكرات إعتقال مقفلة أو يتم الإشارة إلينا، من قبل بعض المتعصبين، بصفة "الدابة" وهي كلمة تركية تطلق على البهائم.