بدون أن يسمح لأي طرف من الأطراف الدولية والاقليمية أن يسجل موقفاً حازماً، مهدداً ومعادٍ له من جراء تدخله الواثق والجريء في سوريا، يستمر "الدب الروسي" في اللعب بـ"عيارات" الاتفاق النووي بما يحفظ حقوقه في المنطقة، ماسحاً وراءه كل البصمات التي تسمح بإدانته من أي طرف من أطراف الاتفاق، وهذا ما فعله مؤخرا، حيث صرح "ستيفان دوغريك" المتحدث الرسمي باسم الأمين العام "بان كي مون"، الإثنين الماضي، بأنّ "الأمم المتحدة أحيطت علمًا بالغارات الروسية في سوريا وأن تلك الغارات تتم بطلب من الحكومة السورية"، مكتفيا بالإشارة الى أنه "ينبغي أن تتفق تلك العمليات مع القانون الدولي الإنساني وحماية المدنيين". ولكن ما هي حقيقة التدخل الروسي في سوريا وهل أن الهدف الحقيقي منه هو القضاء على المواقع الإرهابية فقط أم أن هناك أهداف أخرى؟
لا شك أنّ ظاهر التدخل الروسي، الذي ترجم عبر تمكن الطائرات الروسية وبأقل من أسبوع من ضرب اهداف ومواقع للارهابيين هامة في سوريا، لا يمكن أن يترك مجالاً للشك في سعي روسيا الى مساندة وتعزيز مناعة "النظام السوري" وحماية مؤسساته الأمنية بشكل خاص من السقوط، انسجاما مع ما يخدم مصالحه في المنطقة، لكن باطن هذا التدخل يخفي حقائق مغايرة تماما لما هو ظاهر، فروسيا تدرك تماما أن القضاء على التنظيمات الارهابية يبدأ من خارج الحدود السورية وليس في داخلها، عبر تجفيف منابعها وقطع الطريق امام الجهات والدول المسهلة والداعمة لها، هذا عدا عن ادراكها لعدم جدوى الغارات الجوية التي سبق أن نفذته، منذ اشهر، قوات التحالف وعلى رأسها أميركا على مواقع تلك التنظيمات، والتي لم تحدث أي تغيير يذكر في واقع الأخيرة، من هنا فإنه لا يمكن قراءة التدخل الروسي اليوم في سوريا، بمعزل عن الحقائق التالية وهي :
-دخول روسيا على ساحة المعركة السورية هزّ تماسك "محور الممانعة"، خاطفاً في فترة قصيرة هالة القوة والهيبة من صفوف ايران وحزب الله، اللذين دفعا في هذه المعركة أثمانا باهظة، حالّاً نفسه عرّاب الحل الأوحد للازمة السورية، دافعاً بالنظام السوري ورأسه في زاوية "المدين" له وبالتالي أن "إيفاء الدين" لن يكون الا بالتسليم لمشيئة "الدب الروسي" أولاً.
- قرأت إيران في "التدخل الروسي" الفخ الذي يجري نصبه لها، بهدف الضغط عليها وانتزاع الورقة السورية من يدها لنقلها الى يد راع آخر، مُحرِج لها ومقبول من أخصامها، من هنا جاء تصريح الرئيس حسن روحاني الاخير بأنّ "بلاده لن تدخل في تحالف مع روسيا لقتال تنظيم الدولة الاسلامية في الشرق الأوسط معقبا بأن العلاقات مع الولايات المتحدة قد تحسنت رغم أن الطريق لا يزال طويلا"، الأمر الذي يفسر وجود تضارب مصالح واضح بين ايران وروسيا لاسيما في سوريا، وإن جمعهما هدف القضاء على الارهاب.
- بالرغم من إدراك إيران لخطورة هذا الفخ إلا أنها ملزمة بمسايرة الدب الروسي لتأمين الخطة "ب" في مسيرة اتفاقها النووي، حيث تمكنت ايران مؤخرا من شراء صورايخ دفاع جوي متقدمة "إس-300" من روسيا، زارعة الاستنفار والرعب لدى العدو الاسرائيلي الذي سجل اعتراضا كبيرا على رفع الحظر الروسي وكذلك الولايات المتحدة الأميركية.
- إن التدخل الروسي في سوريا سيبقى في الإطار الذي يرضي أميركا وحلفاءها دون أن يتجاوز خطوطها الحمر، فروسيا محكومة بالسير على الحبال في علاقتها مع أميركا لأسباب عدة ابرزها مخاوف قديمة – جديدة لدى روسيا من قيام الأخيرة، من نشر الدرع الصاروخية في أوروبا خصوصا في بولوندا ورومانيا القريبتين من الحدود مع روسيا حيث يشمل نطاق عملها، الترسانة النووية الروسية، الامر الذي يهدد أمن روسيا القومي.
بكل حال، يبدو أن وجه سوريا بعد التدخل الروسي لن يكون كما قبله، والمرحلة المقبلة مفتوحة أمام تنازلات وتغييرات كبيرة في خارطة النفوذ في المنطقة.
(ميرفت ملحم ـ محام بالاستئناف)