يأتي التدخل الروسي في سياق تحقيق موسكو أهدافاً استراتيجية على الساحة الدولية إنطلاقاً من منطقة الشرق الأوسط عبر التدخل العسكري المباشر في الميدان السوري. هي المرة الأولى التي تخوض فيها روسيا حرباً عسكرية منذ انهيار الإتحاد السوفياتي العام 1990، وتسعى لتأسيس موطىء قدم لها على المياه الدافئة في شواطىء البحر الأبيض المتوسط وتثبت وضعها المستجد كراعية لحلف اقليمي يضمها الى جانب سوريا وايران والعراق وأطراف أخرى بعد خسارتها حلفاء أساسيين في عاصفة الربيع العربي أبرزهم ليبيا.
هناك شعور عارم بالقوة ينتاب قادة الكرملين، وعلى رأسهم فلاديمير بوتين، لقناعتهم بأن اللحظة مؤاتية للعب دور روسي على الساحة الدولية في ظل تردد الولايات المتحدة الأميركية الواضح منذ انسحابها من العراق لصالح نفوذ إيران، وإلى نفض أيديها من الربيع العربي، وإلى تردد أوباما بإسقاط نظام الأسد.
ولكن الرغبة الروسية الملحة في استعادة مكانتها وهيبتها تأتي بعد سلسلة نكسات أصيب بها بوتين عند إستئناف حكمه في الدورة الحالية من سلفه ديمتري ميدفيديف. فقد نجحت أميركا، عبر حلفائها في محيط روسيا، في تقويض أحلامه التوسعية كما استطاعت منع قيام تكتل "أوراسيا"، الفكرة التي راودت بوتين ليستعيد بها ما تبقى من دول الإتحاد السوفياتي، كما أحداث ضم القرم وشطر أوكرانيا، وغرق روسيا في أزمة إقتصادية خانقة جراء إنخفاض أسعار النفط عالميا. كل هذه العوامل وغيرها قادت فعلياً الى قرار الكرملين خوض الحرب السورية مباشرة ساعدها في ذلك شعارها المرفوع "مكافحة الإرهاب والقضاء على المجموعات التكفيرية"، لإدراكها التام بأن الأطراف المعنية بالأزمة السورية، وفي مقدمتها أوروبا، لن تقوى على المجاهرة علناً بمعارضة التدخل الروسي في ظل وجود "داعش" وخطرها على أمن مجتمعاتها. وعلى رغم ذلك تسبب التدخل الروسي بتوجس تركي وإستياء أميركي لخرق الروس قواعد اللعبة من جانب واحد. والبارز إتخاذ حلف شمال الأطلسي موقفا حاسما الى جانب تركيا بهواجسها من خرق روسيا لمجالها الجوي في سبيل التخفيف من اندفاعة الأخيرة وحصرها بضرب مناطق "داعش"، كون تركيا متضررة جداً من إمكانية وجود الدب الروسي فوق الأراضي السورية وقطع أنفاس كل المجموعات المقاتلة لنظام بشار الأسد بما في ذلك ما يصطلح على تسميته "الفصائل المعتدلة".
وفق معطيات أولية هنالك من سيحاول إزعاج روسيا، إن لم نقل تكبيدها ثمناً باهظاً جراء تدخلها في سوريا ولكن بطريقة غير مباشرة، فقد كشفت مصادر غربية لـ "
لبنان24" عن تقارير أمنية أكّدت السعي الجدي لتزويد مجموعات "جيش الفتح" بأنظمة صواريخ Strela وIgla-S وهي منظومة صورايخ أرض - جو من صنع روسي. والهدف من ذلك ضرب مقاتلات "السوخوي" بالسلاح الروسي وليس الأميركي، وعدم ترك السماء السورية مباحة أمام الطيران الروسي بهذا الشكل.
كما أكدت التقارير نفسها أن أوكرانيا، العدو اللدود لروسيا وإدارة بوتين، عرضت مساعدتها تزويد "جيش الفتح" بكل إحتياجاته. على أن العقبة الاساسية الآن هي في كيفية ايصال هذه الشحنات الى الداخل السوري في ظل الرصد الفضائي الروسي الدقيق، هذا فضلا عن حسابات دقيقة تجريها أنقرة تتعلق بمخاطر تمرير هذه الشحنات من أراضيها إلى الشمال السوري.
في هذا الاطار هناك من يرى أن روسيا بعثت برسالة واضحة عابرة للقارات إنطلاقاً من بحر قزوين مفادها إستعدادها التام لضرب أي شحنات اسلحة تتجه صوب سوريا من اي مكان ستأتي، خصوصا بعد ظهور صواريخ أميركية متطورة ضربت الدبابات والمروحيات الروسية من نوع TOW و STINGERS كما رصدت ظهور صواريخ JAVELIN في محاولة لاستعادة استنزاف الجيش الروسي كما حصل في حرب أفغانستان عام 1978 التي أسقطت هيبة الجيش الأحمر وكانت المؤشر الأول لسقوط الإتحاد السوفياتي.
("
لبنان24")