تبدّل المشهد نهائياً في تركيا بين ربيع 2011 وخريف 2015. لم تزهر الثورة السورية استقراراً وسلاماً بقدر ما أدت إلى جحيم القتل والتشرّد.
أصبح الوجود السوري يثير ريبة المواطن العادي في تركيا بعدما كان مصدر فخرهم ومسارعتهم لتبني الحراك السوري، وقد جاهر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على الفور بإسقاط النظام، تراجعت تركيا كثيراً بخطابها، كما بخطواتها، وجاء التدخل العسكري الروسي ليزيد الأمور تعقيداً.
أمد الأزمة السورية أصبح طويلاً، وهي مرشحة للمزيد من المعاناة الإنسانية، وهذا ما لم يكن في حسبان السلطان رجب طيب أردوغان، الذي تصرف وكأنه "أبو الثورة السورية" على غرار مصطفى كمال "أتاتورك". خانته الأحداث ومجريات القتال وتبدّلت المواقف الدولية. الحكومة التركية تدفع الآن ثمن إستقبال النازحين من إقتصادها المتعثر وتتسبب ببروز نقمة شعبية متعاظمة ترجمتها صناديق الإقتراع في الدورة الأخيرة.
أبرز الملاحظات تبدأ من تبدّل سحنة وأشكال المسافرين المتوجهين من مطار اسطنبول نحو مطار "هاتاي" في الجنوب التركي. بدت على هؤلاء اليوم مظاهر السياحة وغلبت التركية على لهجتهم، وفي نفس السياق لم يعد الجنوب التركي الملاذ الآمن للهاربين من جحيم الحرب السورية الطاحنة، حيث باشرت السلطات التركية إعداد خطط للتخفيف من أعداد النازحين عن كاهلها، وهي متهمة الآن بأنها تشجع مئات الآلاف من السوريين للانتقال نحو بلغاريا عبر أراضيها بما يسمى "غزو أوروبا بالنازحين السوريين".
فقد مطار "هاتاي" الواقع وسط الحقول الخصيبة حيويته وبريقه بصفته مطار "الثورة" ومعبر المتوجهين نحو الداخل السوري للإغاثة أو للقتال، أرتال من سيارات الأجرة كما باصات النقل المشترك، باتت تعمل اليوم برتابة شديدة، وقد أنهك سائقيها التعب، ذلك أن رحلة إسطنبول تصل نحو الثالثة فجراً.
لا يطيب لسائق الإجرة التركي إستعمال تعابير "إنطاكية" أو "لواء إسكندرون" على محافظة "هاتاي" بقدر ما يستعمل كلمة "إسكندرونة"، ويستنكر مواقف الأقلية العلوية أو من ذوي الأصول العربية، وبنظره هؤلاء يفاخرون بأنهم "عرب" في تركيا ويؤيدون بشار الأسد. يكشف كلام السائق التركي التناقضات العرقية داخل المجتمع التركي وسط إحساس عميق عند قوميات العرب والماردين والعلويين بالإضطهاد من قبل السلطة التركية القابضة على الحكم، خصوصاً أن لواء إسكندرون ومدينة "إنطاكية" ضمهما مؤسسس تركيا الحديثة مصطفى كمال "أتاتورك" في سبيل تأكيد إمبراطورية تركيا الحديثة بعد سقوط الدولة العثمانية.
الضفة الشرقية لنهر العاصي لم تعد ملتقى المعارضين السوريين ضمن المقاهي المنتشرة هناك، بل باتت عنواناً للصحافيين الباحثين عن أخبار "داعش" وممرات التهريب من تركيا إلى الداخل السوري، وأبرزها على الإطلاق "المركز الثقافي الفرنسي" بجانب دوار "أتاتورك" ساحة بلدية إنطاكية، وكذلك الأمر بالنسبة إلى باحات الفنادق بمختلف درجاتها، ولا حديث هناك سوى عن أعباء النازحين السوريين وفظائع "داعش". أما المفاجأة الكبرى فهي إختفاء "مخيم الضباط"، معقل الجيش السوري الحر في بلدة "Bokachin" بجانب منطقة الريحانية، والذي لا يبعد سوى ثلاثة كيلومترات عن الحدود مع سوريا.
إختفت الخيم كما المنشآت المختلفة، وعادت المنطقة كما كانت زراعية بامتياز وتبدو علامات الخوف واضحة على وجوه السكان عند سؤالهم عن ظروف إختفاء هذا المخيم طالما أن عيون وآذان الأمن التركي مفتوحة دائماً ومترصدة.
عوّلت السلطات التركية في مسار الأزمة السورية على إمكانية فرض حظر جوي أو منطقة عازلة في الشمال السوري، لذلك قامت بتأسيس "مخيم الضباط" في "Bokachin" وجعلته مقراً لقيادة الجيش الحر بزعامة العقيد رياض الأسعد بعدما سبقه المقدم حسين هرموش، المنشق الأول عن الجيش النظامي. وعليه حاولت بناء قاعدة لوحدات عسكرية نحو محافظة إدلب وجبل الزاوية وريف حلب وغيرها من المناطق السورية. برزت جبهة النصرة ثم تنظيم "داعش" كفصيلين أساسيين وفاعلين داخل الصراع السوري مما أفضى عملياً لترهل وحدات الجيش الحر ومن ثم إختفاء فعاليتها على الأراضي التي لا تخضع لسلطة نظام الأسد، التي لم تكن تتمتع ببنية تنظيمية متينة.
اختفى المخيم وغاب الضباط، فيما أفادت معلومات خاصة بأن السلطات التركية أبعدت معظم قادة الجيش الحر نحو المناطق السورية المحاذية، وعلى رأسها العقيد رياض الأسعد الذي استقر في إدلب، وهو ظهر مؤخراً بعد طول غياب، واشترطت على من يرغب من ضباط الجيش الحر البقاء فوق أراضيها التخلي عن صفته العسكرية والعيش بنمط حياة مدني بالكامل.
("لبنان 24")