كثُرت التحليلات السياسية والعسكرية حيال التدخل العسكري الروسي في الحرب السورية. وبصرف النظر عن تأثير العسكرة الروسية على المسار السوري الميداني والسياسي، لا بد من التساؤل حول مدى مشروعية هذه الضربات في إطار القانون الدولي؟ وهل طلب الحكومة السورية كاف لإضفاء صفة المشروعية هذه؟ وهل من دور للشرعية الأممية في كل ذلك؟
منذ بداية الدخول الروسي العسكري على خط الأزمة السورية، رفعت روسيا شعار المشروعية، وحرص رئيسها فلاديمير بوتين على التأكيد أنّ الضربات الجوية الروسية أتت بناءً على طلب تقدمت به الحكومة السورية، لتقديم مساعدات عسكرية في حربها ضدّ الإرهاب، فإلى أيّ مدى يتطابق هذا الشعار وأحكام القانون الدولي؟
حق الدفاع الشرعي عن النفس نصت عليه المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة وصولاً إلى حالة التدخل ضد التدخل، من بينها التدخل بناء على طلب أو دعوة من الحكومة الشرعية ضد المخاطر التي تتعرض لها. وهذا الطلب محكوم بجملة شروط، كما أوضح أستاذ القانون الدولي الدكتور شفيق المصري لـ "لبنان 24": "أولاً أن تكون الحكومة الداعية شرعية. ثانياً أن يُحدد موضوع هذا التدخل، وثالثاً أن تحدد المهلة الزمنية. والحكمة وراء هذه الشروط، أن الحكومة نفسها تمثل الشعب، ولا يجوز لها التخلي عن هذا التفويض المعطى لها من قبل الشعب إلا بحالات استثنائية، ويجب بعد ذلك ان تعود السلطة والسيادة إلى الحكومة ".
في الحالة الروسية – السورية يضيف المصري: "لم نتأكد أن الحكومة السورية قدمت مثل هذا الطلب لمدة معينة وفي مكان معين ولغرض معين، كما تنص عليه أحكام القانون، فضلاً عن أخبار تناقلتها وسائل الإعلام، مفادها أنّ المسؤول العسكري الإيراني الأكبر هو الذي ذهب إلى روسيا ومعه الخرائط، واقنع الروس بالقيام بهذه الحملة. من ناحية أخرى نرى أنّ النشاط الروسي ليس محصوراً بمكان معين ولا بزمن محدد، وإنما أعطى لنفسه حرية التصرف ضد ما يسمى ارهاب "داعش"، وبالتالي الحالة التي نتحدث عنها غامضة، سواء بالنسبة الى للدعوة أو بالنسبة إلى حدودها".
ولكن حتى ولو طلبت الحكومة السورية هذا التدخل، إلى أيّ مدى تعتبر حكومة الرئيس بشار الأسد شرعية بعد اندلاع الثورة؟ وهل تملك الحق بمثل هذا الطلب؟
هذه المسألة برأي المصري لها وجهان: في السياسة الحكومة لم تعد تتمتع بسيادة كاملة، "أنا لا أتدخل بالسياسة. حسب الإطار الشرعي، لا تزال حكومة دولة مستقلة مبدئياً، وهذه الدولة لا تزال تتمتع بعضويتها في الأمم المتحدة وبسياستها الخارجية، والأمور الأخرى سياسية. وفي القانون هذا التدخل لغاية اللحظة ليس واضحاً، سواء لجهة الدعوة أم لجهة تحديد معايير وحدود الدعوة، ووفقاً لظاهر الأمور يتناقض هذا التدخل مع السيادة الوطنية للدولة السورية، بصرف النظر عن وضعها السياسي الآخر".
إضافة إلى ذلك، لا تحصر روسيا ضرباتها بتنظيم "داعش"، بل توجه صواريخ مقاتلاتها إلى جماعات مسلحة معارضة للنظام، وبالتالي يبدو واضحاً بحسب المصري أنه تمّ إطلاق يد روسيا، ولم تُحدد مهمتها زمانيا أو مكانياً، ولم يحدد الهدف، وفي الأمر أيضاً تجاوز لإطار القانون الدولي. "كما أنه لو طلبت دولة ما التدخل، بمعنى أنها فوضت دولة أخرى القيام عوضاً عنها بضبط الأمن من دون حدود، هذا يعني أنها تخلت عن التفويض الذي منحها إياه الشعب، ولا يجوز للحكومة أن تمس بهذا التفويض، لان الشعب في الأساس صاحب السيادة". وفي الحالة السورية تخلت سوريا عن هذا التفويض.
ماذا عن الأمم المتحدة وهل في إمكانها - فيما لو أرادت- أن توقف هذه الضربات؟ "يمكن لمجلس الأمن إمّا بناء لشكوى أو من تلقاء نفسه، أن يصدر قراراً تحت الفصل السابع، يطلب بموجبه من روسيا عدم التدخل، وذلك بطلب من الجمعية العامة أو من الأمين العام، أو بطلب من الدول الدائمة العضوية. بكلام آخر يمكن للولايات المتحدة أو فرنسا أو بريطانيا أو غيرها من الدول الدائمة العضوية أن تطلب من مجلس الأمن وأن يستجيب للطلب ويعقد جلسة ويقرر مصير هذا التدخل."
في الخلاصة يشوب هذا التدخل الكثير من المغالطات القانونية، إلاّ أنّ الكلمة الفصل على أرض المعركة، لأفعال الصواريخ والمدمرات في كل مشاهد الحرب السورية، وأيّ تسوية لا بدّ ستمنح المنتصر مكاسب سياسية.
(خاص "
لبنان 24")