بحجم المخاوف على الصيغة والكيان اللبنانيين في ظل المتغيرات الإقليمية يدور نقاش عميق في الساحة المسيحية حول الخيارات الكبرى. وسط الإنقسامات المسيحية الحادة منها والتي بات فيها كل موقع مسيحي موضوع جدل لا ينتهي إلا بإستمرار شغوره أو بقائه موضع تشكيك، كما هي حال موقع الرئاسة وقيادة الجيش على الأقل؟ فما هي الخيارات المطروحة ولماذا؟
على وقع التطورات المأسوية في العراق وسوريا واليمن كان الخوف قبل فترة من فتنة سنية ـ شيعية تقود البلاد إلى الهلاك فلا ينجو منها أي مكون لبناني، فوضعت الخطط لمواجهتها على كل المستويات وتجاوزت البلاد قطوعات خطيرة الى أن انطلق حوار عين التينة بين "المستقبل" و"حزب الله" فتغير المشهد نوعا ما وهدأت الخواطر وانحصرت المواجهة في الإعلام والسياسة.
ثم جاء الحراك المدني والشبابي ليلقي بظلاله على الحياة السياسية فقدّم صيغة جديدة عن صراع طبقي وإجتماعي على مستوى الوطن. فتراجع الحديث عن الفتنة المذهبية عندما أضيئت الأنوار على هموم اللبنانيين بمكوناتهم الطائفية والمذهبية بعدما وحدتهم روائح النفايات المتراكمة في كل زاوية من زوايا الوطن. وكشف عن مظاهر الفساد العابر للطوائف والمذاهب والمناطق وسقطت هامات على قاعدة "كلن يعني كلن" فانقلبت الصورة.
كل ذلك كان يجري وسط أجواء من الترقب والحذر مما يجري في سوريا واليمن والعراق، وهي أحداث عكست واقعاً اقليمياً ودولياً مأزوماً ومتحركاً، ما أعطى الأمل بنمط جديد للعمل على مستويات وطنية شاملة أبعدت مشاريع الفتنة المذهبية عن البلاد التي حظيت برعاية دولية ابعدت النيران السورية عن لبنان بقدرة قادر.
وتزامناً مع هذه الأجواء أحيت إجتماعات هيئة الحوار الوطني الأمل بامكان معاودة النقاش بين اللبنانيين فحدد لها جدول اعمال من سبع نقاط اقتربت من ان تتحول وهماً إن لم تنتج فتح أبواب جديدة إلى مسارات أخرى قد تكون أكثر خطراً على الإستحقاقات التي قامت من أجلها.
من هذه العناوين يدور نقاش في هيئة قيادية مسيحية تسعى إلى فتح بوابة جديدة للإستحقاق الرئاسي باعتباره اقصر الطرق لإخراج البلاد من النفق ولإقفال الكثير من الجدل البيزنطي حول ملفات انتجها الشغور الرئاسي المتمادي.
على طاولة هذه القيادة حديث عن الوسيلة الأنجح لمقاربة مسيحية ـ مسيحية بعد انهيار كل مبادرات بكركي. اعتقد البعض ان "ورقة النوايا" بين "القوات اللبنانية" و"التيار الوطني الحر" قد تشكل محاولة جدية للخروج من المأزق فتبين العكس، فانكفأت "القوات اللبنانية" عن هيئة الحوار بعد الحكومة لتراقب من بعيد ما يجري وتشكك في ما يمكن إنجازه.
وفي المقابل انصرف "التيار الوطني الحر" إلى فتح معركته مع تيار "المستقبل" بشراسة مدعوماً من حلفائه، ولا سيما "حزب الله" بعد ضمانه لحياد "القوات اللبنانية". فظهر - لو صحت نظرية التيار - بأن "المستقبل" وحده يمارس القهر بحق المسيحيين وتحديداً في منع وصول العماد عون إلى الرئاسة أو ترقية العميد شامل روكز، وخاف البعض من خلال الإحتقان المسيحي الذي يسعى اليه التيار بان الفتنة السنية ـ المسيحية على الأبواب.
وعلى رغم المخاوف من هذا النوع من الفتن فإن هناك من يستبعدها، فالحقائق في مكان آخر. فليس صحيحاً ان رفض انتخاب العماد عون رئيساً للجمهورية رهن بموقف "المستقبل" وحده. فالفرقاء المسيحيون يرفضون وصوله أيضاً ولم يتحقق الإجماع حوله ولو للحظة. وليس صحيحاً ان "المستقبل" وحده منع ترقية روكز او التمديد له فهناك تكتل مسيحي حكومي وسياسي وحزبي كبير يرفض الخطوة وأثبت انه القوة الجدية والوحيدة التي منعت حصوله، سواء اعترف التيار بذلك أم لا.
والدليل ظهر في استحالة عبور ما هو مطروح في مجلس الوزراء أو عبر وزير الدفاع، وان المشكلة تكمن في اصرار التيار على عدم الإعتراف بهم واعتبارهم جميعا انهم يعملون عند تيار "المستقبل". وهو أمر ليس ثابتاً على الإطلاق فالمناقشات في هذا الموضوع أثبتت العكس تماماً. وظهر ان رفض التلاعب بالجيش وتركيبته وهيكليته ليس قراراً لـ"المستقبل" فقد تجاوزت قيادته ذلك، لكن إصرار الباقين على رفضه على رغم وساطات دبلوماسية اقفل الجدل حوله، ولم يستطع الساعون اليه تحقيقه على رغم قناعتهم بما فيه من "هرطقة" قانونية ودستورية وسعيهم اليه أياً كان الثمن على قاعدة انها ليست المرة الأولى الذي نتجاوز فيها القانون والدستور.
وبناء على ما تقدم ينتهي النقاش حول هذا الموضوع الى خلاصة مهمة وهي تقول ان السعي إلى مواجهة سنية ـ مارونية لا ينتج رئيساً جديداً ولا حلاً لأي ملف، وان اعتراف المسيحيين بوجود بعضهم البعض أقصر الوسائل وأسهلها للحل وإلا ستبقى المواقع المسيحية شاغرة كما هي الحال في قصر بعبدا أو رهن التشكيك كما الحال مع قيادة الجيش اللبناني. فهل هناك من قادر على تحقيق مثل هذه المعجزة؟!
(خاص "
لبنان 24")