في جلسة جمعتني مع أحد السياسيين المخضرمين، وهي جلسة تقييمة للوضع السياسي في لبنان، رأى أن الأوضاع تبدو سائرة نحو الهاوية في سرعة انحدارية سريعة. والسبب في رأيه أنه لم يعد في لبنان سياسيون بالمعنى الذي كنا نعرفه أيام الكبار، ويسمّي من بين كثيرين الرئيس كميل شمعون والزعيم كمال جنبلاط، مستذكراً المعادلة الشوفية الشهيرة "بين كميل وكمال"، ولنا عودة إلى هذه المعادلة وحيثياتها.
ويتابع، وفي حديثه بعض من مرارة والتحسّر: للأسف لم يعد في لبنان إلاّ قلة قليلة من السياسيين الذين يعرفون كيف تدار الأمور وكيف يمكن المحافظة على توازنات التركيبة اللبنانية، التي لا يمكن تحت أي ظرف أو حجة التلاعب بها، والأمثلة كثيرة. أما الباقون فهم يشتغلون في السياسة، أو بتعبير آخر لاعبو سياسة، والفارق كبير بين السياسي وبين الذي يشتغل سياسة أو الذي يلعب بالسياسة.
ويعود هذا السياسي المخضرم بالذاكرة إلى عزّ الحرب اللبنانية، وهي كانت من أقسى المراحل التي مرّت على لبنان، ليقول أنه على رغم قساوة هذه الحرب وبشاعتها لم يكن التواصل مقطوعاً بين ما كان يسمى "شرقية" و"غربية"، علماً أن وسائل الاتصال لم تكن متوافرة كما هي اليوم.
وسألني إذا كنت من هواة لعبة "الليخة"، وقبل أن أجيبه، يقول: إذا كان شريكك في اللعب ضعيفاً فهو يربكك ويكون في صفوف الخصم أكثر منه في صفوف الشراكة، وهكذا تتحول لاعباً ضد ثلاثة. أما إذا كان خصمك في اللعب ضعيفاً ايضاً فتتحول اللعبة إلى ما يشبه الملل.
فكما هي الحال في لعبة "الليخة" هكذا هي حال السياسة، التي تتطلب خصما قوياً وحليفاً قوياً، لكي يرتفع منسوب اللعبة إلى مستوى الاحتراف، وبالتالي تصبح المنافسة السياسية على مستوى مرتفع من التحديات التي تفرضها ظروف البلد. وهكذا كان كميل شمعون وكمال جنبلاط، اللذين كانا يختلفان في المنطق ويتفقان في المنطقة (الشوف).
إلى هذا النوع من الرقي في التعاطي بالسياسة يفتقر لبنان، على حدّ تعبيره، وإلاّ فالأمور سائرة نحو مزيد من التأزيم والتخبط العشوائي، وإلى المزيد من التدهور على كل المستويات، السياسي والاقتصادي والاجتماعي، من دون أن تلوح في الأفق بوادر انفراجات لا يراها متاحة في ظل هذا المناخ الضبابي الذي يعيشه لبنان.