سيكتب الكثير عما سبق عملية "عاصفة السوخوي" التي تقودها موسكو منفردة في مواجهة الإرهابيين، ومن على يمينها مجموعة دول الحلف الدولي الذي احتفل بالسنة الأولى لحربه عليهم قبل ستة عشر يوماً من بدء العملية الروسية، وعن يسارها جيش سوري نظامي ينهار يوماً بعد يوم وتقف ايران عاجزة عن وقف تراجعه ومده بالقوة الكافية للحفاظ على الساحل السوري وعاصمة النظام على الأقل.
عند هذه النقطة التاريخية والمفصلية من الوضع في سوريا اختارت موسكو التدخل بالضربات الجوية التي إستعدت لها منذ أشهر عدة، تراقب بصبر مصير حليفها الوحيد في الشرق الأوسط ينهار ويتراجع يوماً بعد يوم يخلي القواعد الجوية والمطارات والمدن والقرى واحدة بعد آخرى وهو يشعر في كل لحظة بمخاطر تقلص سلطته على أراضيه إلى ان بقي محتفظاً بأقل من 18 % منها، والتي باتت لقمة سائغة يمكن ان يفتدقها بين جولة عنف وأخرى.
كان أمام قيصر روسيا الجديد فلاديمير بوتين مشهداً سورياً سوريالياً مرعباً يزيد من حال التوتر لدى القيادة الروسية بمختلف أجنحتها السياسية والعسكرية والإستخبارية والدبلوماسية يتفرج على مصير دولة استقبلت في أصعب الظروف آخر قواعده البحرية على المياه الدافئة ولا يستطيع ان يدافع عنها بعدما باتت جحافل الثورة السورية على التلال المشرفة على القاعدة وكبريات مدن الشمال اللاذقية.
كان الرئيس بوتين في الصورة، يدرك بأدق التفاصيل ما ينتظره ومدرك لحجم الخسارة المتوقعة التي يمكن ان تلحق به وتزيد من انهياراته الخارجية قبل أن يوطد قدميه في جزيرة القرم. فهو لا يستطيع ان يراهن لا على حماة النظام وإمكان النجاح في استمراريته وهو يلفظ آخر أنفاسه. ولا يمكنه في الوقت عينه ان يتفرج على المنظمات الإسلامية المدعومة أميركيا وأطلسيا وخليجيا، والتي اقتربت من أن تمسك بالسلطة في سوريا والسيطرة على آخر معاقل النظام وواجهته البحرية الوحيدة، بعدما اقفلت امامه كل الحدود مع مختلف جيرانه من الأردن إلى العراق وتركيا ولا يمكنه ان يتنفس بحرية من بوابته اللبنانية ولا من البحر.
يعترف تقرير دبلوماسي دقيق ومليء بالمعلومات انه كانت على طاولة الرئيس الروسي خريطتان لصورتين في كفتي ميزان الجوهرجي، واحدة ترسم في طهران وأخرى في واشنطن وهما على الشكل التالي:
قالت الصورة الإيرانية بوضوح ان النظام الإيراني فعل ما بوسعه من أجل حماية النظام السوري وضمان استمراره وأنفق على خططه كل ما تبقى له من مليارات الدولارات في ظل الحصار الغربي والإقتصادي والمالي والدبلوماسي والتجاري الذي تعانيه. وهو كفارسي يتجنب الغوص أكثر في الحرب على أرض عربية واسلامية لأنه لن يكون مقبولا بكل المعايير وزاد الطين بلة انه لا يثق بقيادة عسكرية سورية انهكت أدواتها على الأرض ولا يمكنه الإستكانة لضمان سلامة قادتها بعدما انهارت وحداته واحدة تلو الخرى وفقد مطاراته العسكرية وبات مطاره المدني في العاصمة غير صالح لإستضافة او تسفير قادته ومسؤوليه.
وقالت الصورة الأميركية باستحالة التفوق على "داعش" وإنهائها بالأدوات السورية التي ابتدعها وحلفائه من الغربيين والخليجيين والأوروبيين من دون الجيش النظامي السوري، الذي حرم نعمة المشاركة في الحلف الدولي على "داعش" وأخواتها. ويتزعم الحلف الرئيس الأميركي باراكأوباما الذي قرر صراحة وبكل واقعية وبراغماتية قل نظيرها ألا يضحي ولو بظفر جندي أميركي ولتستمر الحرب في سوريا الى ما شاء الله ولتتبخر على أراضيها الأسلحة والصواريخ التي توفر فرص العمل وتصريف انتاج المصانع الأميركية والغربية للأسلحة لعقدين مقبلين من الزمن على الاقل.
أمام هاتين الصورتين إختار بوتين ان يتسلل من بينهما، فقرر ان يعد الآلة للضربة العسكرية على أمل ان يحرج أميركا وحلفاءها على قاعدة فشلها في القضاء على الارهابيين بلا قوة برية من جهة، وان يستوعب النظام السوري وحلفائه من جهة اخرى. فكان له ما أراد فتجاوب الدوما معه وبرر له بتفويض مطلق التدخل بقواه العسكرية الوطنية خارج أراضيه بموجب ورقة طلب رسمي من "الرئيس السوري الشرعي" للتدخل في أي زمان ومكان يراه مناسباً، وهو الذي كان يتفرج بقلق على أحلام دولته تنهار ولا يستطيع ان يحمي ابناء عشيرته على الأقل في الشمال السوري.
وعلى هذه الخليفات قبل الروس المهمة وبدأوا يعدّون العدة للضربة العسكرية من دون أي أفق على رغم كل السيناريوهات التي اطلقت من كل حدب وصوب، والتي ما زالت تعطي احتمال النجاح في موازة التورط الروسي في "أفغانستان جديدة". فالإيرانيون عاجزون عن تقديم المزيد من الدعم والأميركيون لا يريدون التدخل بقوة أكبر مما جندوا له في الجو والبحر والبر والعمل الإستخباري من دون ان تؤتي العملية ثمارها بالسرعة المرجوة لوقف حمام الدم السوري.
ومن هذه اللحظة السياسية والدبلوماسية والعسكرية انطلقت المهمة الروسية، وهي قائمة إلى أجل غير محسوم ولن تكون في حال أسرت أو تورطت سوى استنفاد القدرات العسكرية والمالية والإقتصادية الروسية المحدودة.
وعليه، فلا خيارات كثيرة. فإما أن تكون العملية الروسية ناجحة بكل المعايير أو ان تكون موسكو قد تورطت في مستنقع سوري موحول لم يكن لها اي رأي في ما آل اليه. والخيار الراجح من بينهما ما زال رهن التكهنات. وما على المراقبين سوى انتظار الوقائع ليحكموا لها وعليه. وإلى ذلك الحين تصبحون على سيناريوهات متناقضة لن يحسم سوى الميدان أياً منها وصولاً الى الشوط الأخير وهو بعيد للغاية.
(خاص "
لبنان 24")