"نحن نلمس نتيجة هذا الصمود"، "وببركة هذا الصمود تم حماية حتى الآن هذه البلدان (العراق، سوريا، لبنان)، بل حماية هذه المنطقة حتى – للاسف – حماية الخصوم"، "وببركة هذا الصمود ايضاً"، "بدأت الأمور تختلف داخل دول كثيرة في العالم اليوم"، "بدأنا نسمع مواقف جديدة، ونقرأ مقالات جديدة، وهناك اتجاهات وتحولات تكبر يوما بعد يوم.."، هذا ما حملته كلمة السيد نصرالله، صباح الاحد الماضي في مناسبة الاحتفال بإحياء أسبوع الشهيد حسن الحاج، معلنا تلمس "هلال" الانتصار وإن لم تحسم المعركة نهائيا في سوريا، في إشارة منه الى جمهوره بالدرجة الأولى، وإلى من يهمه الأمر بالدرجة الثانية، بأنه "بلّغ الرسالة وأدى الأمانة" وإن أُوقف عن إكمال المهمة فيما بعد. أضف على ذلك، لامبالاة واضحة وجدية في التخلي عن حكومة الشراكة الوطنية والحوار، طبعت جزءاً لا بأس به من كلمته، مُظهرا أنه لم يعد هناك من حاجة "لكظم" غضبه وضبط انفاسه اكثر تجاه جميع استفزازات الخصوم ومحاولات الاستدراج لجرِّه الى معركة في الداخل اللبناني والهائه عن معركته في سوريا، ما يشير الى عودة قريبة لحزب الله للاستدارة مجددا الى الداخل وانصرافه للاهتمام باعادة ترتيب ظروفه وخياراته السياسية فيه.
ولكن لم يكد يَبِلُّ السيد "نصرالله" حنجرته من تلاوة هذا الكلمة، حتى تبعها تصريح آخر، ومن على منبر الكرملين الروسي، جاء على لسان الرئيسين فلاديمير بوتين وبشار الأسد الذي وان شكلت زيارته مفاجأة لبعض قادة دول العرب ولكنها لم تكن بالمفاجئة بالنسة لبعض القوى الدولية والاقليمية الغربية، لا بل على العكس تماما، فان حصول هذه الزيارة وفي هذا التوقيت بالذات حمل في مضمونه دلالات عدة على الاتجاه الذي تسعى تلك القوى لتوظيفها خدمة لمصالحها في هذه المرحلة، والتي يمكن تلخيصها بالنقاط التالية:
-تجاوز "الأسد" للعقوبات التي سبق وفرضها الاتحاد الاوروبي في ايار 2011 مع عدد من افراد عائلته ومن ضمنها "قرار منع السفر"، وبالتالي اختراقه هذا المنع وسفره الى روسيا، لا يمكن قراءته بمعزل عن وجود غطاء دولي وفّر له رحلة دافئة وآمنة لموسكو، خاصة وان روسيا في وضعها الحالي ليست بمعرض المواجهة أو الصدام مع أي من القوى الدولية والاقليمة المؤثرة وفي مقدمتها الولايات المتحدة الاميركية وذلك حماية لخارطة مصالحها في المنطقة، والا لما كانت مضطرة لتوقيع مذكرة تفاهم مع الولايات المتحدة الاميركية تتضمن اجراءات سلامة جوية، تمكن طياري البلدين من تجنب أية حوادث خلال القيام بعمليات قصف في سوريا.
-أهمية زيارة "الاسد" الى موسكو برزت في شكلها أكثر من مضمونها حيث الوجهة موسكو بدلا من طهران،والحضور اقتصر على شخص "الاسد" دون فريق عمل مواكب لمجريات الزيارة، فبدا ملحقاُ دبلوماسياٌ يقدم اوراق اعتماده لدى دولة أخرى،وربما هذا ما قصدته روسيا من استدعائها المفاجىء له، والذي ليس مستبعدا ان يكون قد حصل بناء على رغبة اميركية بهدف "زكزكة" ايران وتحقيق مزيد من الضغط عليها واستدراجها لتقديم مزيد من التنازلات في المنطقة على مشارف تنفيذ الاتفاق النووي،وما زيارة قائد "فيلق القدس "بالحرس الثوري الايراني قاسم سليماني الى موسكو مؤخراً إلاّ لتحميله رسالة في هذا الاطار.
- بالمقابل "مَلَكية اكثر من الملك" تتعاطى إيران مؤخرًا تجاه الأزمة السورية، داعية الى "تحقيق الاستقرار في سوريا والقبول بأن لا فائدة من الحل العسكري وبان الانتصارات العسكرية لها تداعيات" وفقا لما جاء على لسان وزير خارجيتها محمد جواد ظريف في كلمة القاها السبت الماضي في طهران في الاجتماع التحضيري لمؤتمر ميونيخ الامني، معلنا فيها بـأن "ايران مستعدة لحل الازمة السورية على اساس قاعدة "الربح للجميع"، وفي ذلك تباين واضح مع المواقف الروسية الاخيرة، التي عبر عنها الرئيس بوتين لدى لقائه الاسد، الذي اكد فيه حرصه على المضي في مساعدة النظام السوري "في العمليتين العسكرية والسياسية".
وإلى أن تجد قاعدة "الربح للجميع" طريقها للترجمة الفعلية، يبدو ان مشهد الازمة السورية بدأت تتكشف ملامحه الأولى مشيرًا إلى نجاح روسي في استرداد الورقة السورية برأس "الأسد"، حيث غابت عن تصريحاته الاخيرة اية اشادة او اشارة الى الجهود التي بذلتها ومازالت تبذلها، ايران وحزب الله في الصراع الدائر في سوريا، الذي دام أكثر من أربع سنوات، مثمناً عالياً المشاركة الجوية الروسية في وقف تمدد التنظيمات الارهابية.
بالمقابل من المتوقع أن تشهد العاصمة طهران زيارة مرتقبة للاسد وفقا لما تناقلته وسائل الإعلام عن صفحة الكاتب الصحفي والمقرب من وزارة الخارجية الايرانية " مهدي محمودي" على احدى مواقع التواصل الاجتماعي، والتي إن صحت سيكون لها نتائج هامة خاصة لناحية مستقبل ومصير العلاقات الايرانية- السورية.
(ميرفت ملحم - محامٍ بالاستئناف)