يقول أحد الزحليين المتابعين للشأن السياسي في المنطقة، أنّ أهالي زحلة انتظروا صدور الانتخابات النيابية في العام 2009، ليدركوا ماذا اقترفت أيديهم. بعد ساعات قليلة من فتح صناديق الإقتراع تنبّه أهالي القضاء، محبين ومعارضين للبيك ايلي سكاف، أنهم أسقطوه بضربة قاضية لم يقدّروا مفاعليها ونتائجها... وإذ بهم يندمون على فعلتهم، ويعترفون علناً بندمهم.
بنظر الكثيرين لا يستحق الرجل تلك المعاملة ولا النهاية المأسوية لمقعد نيابي لا يمثل فقط لوحة زرقاء، وانما زعامة تاريخية تخطّت حدود المدينة لتطرق أبواب البقاع بأكمله وبمختلف أطيافه ومكوناته الطائفية.
ليس هذا فقط. لا يختلف اثنان على أنّ البيك آدمي زيادة عن اللزوم. تلك السمة رافقت مساره السياسي مذ وضعت عباءة الزعامة على كتفيه لإكمال مسيرة والده جوزيف سكاف. تقول سيدة زحلية من بيت سياسي عتيق، إنّ أقطاب المدينة القدامى لم يفقدوا يوماً حبل الاحترام بينهم حتى لو فرّقتهم الخصومة، وحافظوا على خيط صداقة رفيع لم يحل يوماً دون اصطفافهم في لوائح تنافسية. لكنهم في مطلق الأحوال كانوا يشتغلون سياسة وشأناً عاماً وليس بيع الكلام للناس.
تقول السيدة ذاتها، إنّ الزعيم الراحل كان من هذه الطينة والقماشة الصالحة. لم يميّز يوماً بين قريب وبعيد. كان بيته مفتوحاً لكل الناس، ويده ممدودة لكل أهالي منطقته. ولهذا بدا تطييره من على لوائح المنتصرين في الإستحقاق النيابي، صادماً بالنسبة إلى أهالي زحلة، ولربما حاول هؤلاء التعويض عن تلك الإنتكاسة، من خلال تحويل مأتمه إلى مهرجان جماهيري.
ولكن ثمة نقطة أخرى لا يفقهها إلاّ الزحّليون ظهرت مؤشراتها خلال مراسم الوداع الأخير، فيما كان ايلي سكاف يرددها قبل أشهر في حلقته الضيقة. خلال السنوات الأخيرة حاولت الأحزاب والتيارات السياسية أن تتسلل إلى قلب المدينة لتأخذ محل قياداتها التقليدية، وقد نجحت فعلاً في حجز موقع لها على خريطة القضاء.
ولكن خلال الفترة الأخيرة تبيّن أن أهالي زحلة لا يخرجون من جلدهم ليلتحقوا بالبزات الحزبية، حتى لو بدت هذه الموضة رائجة في فترة ما. لكن الشريحة الكبيرة من الزحّليين عادت إلى نبع الزعامات التقليدية لتجلس في ديوانياتها.
تكفي جولة سريعة في أرجاء المدينة لتلمس هذا التعاطف الغريب مع الزعيم الراحل. شلالات من اليافطات والصور حولّت زحلة إلى غابة من الألوان والعبارات، ولتؤشّر بما لا يقبل النقض إلى أنّ البيك يحتل قلوب ناسه حتى لو غرّدوا بعيداً عن سربه خلال الإستحقاق النيابي.
تقول السيدة ذاتها إن الأحزاب طارئة على زحلة، ومن الطبيعي أن يعود الناس إلى الأصل ويتركوا الفروع، وما المهرجان الشعبي الذي أقيم للزعيم الراحل إلاّ دليلاً قاطعاً على هذا "الولاء".
ومع ذلك، لا تزال زعامة ايلي سكاف تحت المجهر. سلّم الزحّليون لمشيئة "البيك" بوضع العباءة على كتفي زوجته، لكن هذا لا يعني أبداً أنّ ميريام سكاف ستصير سيدة البيت السكافي كصورة طبق الأصل عمن سبقها. يترقب الزحّليون أداء الزوجة ليبنوا على الشيء مقتضاه.
هم يعرفونها، وهي تعرفهم جيداً. ويدركون مواقع الخلل ومكامن القوة. ومع ذلك ثمة فرصة جدية معطاة لميريام سكاف لتثبت أنها أهل للزعامة. تعاطف الناس مع الراحل يمنحها هامشاً واسعاً لتقود العائلة بارتياح، ولكن هذا لا يعني أبداً أنّه "شيك على بياض".
إذ تكفي على سبيل المثال، الشائعات المتداولة من دون أن تجد من ينفيها أو يؤكدها، حول احتمال تحوّل المصالحة بين ستريدا طوق وميريام طوق الى تفاهم انتخابي، حتى يكشّر البعض عن أسنانه، ويعدّ عدّة القضم من الطبق السكافي. فحتى لمحبة ايلي سكاف حدود.
عملياً، لن تكون زوجة الراحل مضطرة للوقوف على حلبة الاختبار في وقت قريب لعدم وجود أي استحقاق انتخابي، لكنّ أهالي زحلة لن ينتظروا هذا الموعد حتى يقولوا كلمتهم النهائية من عملية التوريث داخل البيت الكاثوليكي العتيق...
(خاص "
لبنان 24")