ما إن يولد الطفل، ومع "صرخته الأولى" المبشرة بقدومه إلى هذه الحياة، حتى تنطلق طقوس الترحيب والتهليل والاستبشار. قديماً كانت نسوة الحي يتناقلنّ المولود الجديد للتعليق على شكله ولونه، يشبّهنه بأمه تارة أو أبيه أخرى.. أما اليوم فيتم تناقل صوره من هاتف إلى هاتف، ومن صفحة إفتراضية إلى أخرى، هكذا تنتشر صور الأطفال على نطاق واسع، وفي أوضاع وحالات متعددة، منها العفوي ومنها الخاص والعائلي الذي لا يجب نشره دون أي رقابة، سواء أكانت ذاتية أم قانونية. ما نحن بصدده ليس كلاماً عن لا مبالاة أو عدم إهتمام من قبل أولياء الأمور، بل قضية خطيرة قلّما تعطى حقها من اهتمام الأهل، ربما، لعدم إدراكهم أن لنشر بعض الصور إنعكاسات سلبية جداً على الأولاد الذين قد يتعرضون للإستغلال "الجنسي"، وهو ما يؤثر سلباً على مستقبلهم وخصوصيتهم وربما أكثر.
ومع إنتشار ظاهرة "Pornography Industry" وهي مواقع إباحية متخصصة في استغلال صور الأطفال وتحريفها لاستدراج أطفال آخرين لممارسة أفعال "منافية للحشمة" وتشجيعهم على ممارستها، تعمل دول كثيرة على مكافحة هذه الظاهرة، خصوصاً بعدما رصدت التقارير الدولية المختصة ارتفاعاً هائلاً في جرائم استغلال الأطفال جنسياً عن طريق الانترنت، فقد حذرت الشرطة الألمانية في رسالة نشرتها على صفحتها على مواقع التواصل الاجتماعي أولياء الأمور من وضع صور أطفالهم على صفحات "فيسبوك" علانية مما قد يكون محرجاً للأطفال في حياتهم مستقبلاً، وهي رسالة انتشرت بسرعة هائلة كدليل على ادراك المجتمع لخطورة هذا الأمر.
بين الأمن والقانون
وفي هذا الإطار، أشار رئيس محكمة بداية بيروت القاضي محمود مكية لـ
"لبنان 24" إلى أنه "لا يوجد قانون محدد في قانون العقوبات اللبناني لمكافحة هذا النوع من الجرائم، بل يُعاقب مرتكبها من ضمن (المادة 507 عقوبات) التي تنص على أنه "من أكره آخر بالعنف والتهديد على مكابدة او اجراء فعل مناف للحشمة عوقب بالاشغال الشاقة مدة لا تنقص عن أربع سنوات، ويكون الحد الأدنى للعقوبة ست سنوات، إذا كان المعتدى عليه لم يتم الخامسة عشرة من عمره، والمادة 509 التي تنص على أنه "من ارتكب بقاصر دون الخامسة عشرة من عمره فعلا منافيا للحشمة أو حمله على ارتكابه عوقب بالاشغال الشاقة المؤقتة". ولا يخفى أن ما عرض له المشترع اللبناني يحتاج إلى تطوير وتعديل لأن الفضاء الالكتروني بات مفتوحاً على سيل لا ينتهي من أوجه الاحتيال والنصب والتغرير، ما يستدعي وجود تشريعات وقائية أو احترازية رادعة.
من جهتها، أكدت رئيسة مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية، الرائد سوزان الحاج لـ
"لبنان 24" أن "استغلال الاطفال جريمة غير مسموح بها، ويعاقب عليها القانون بحسب "قانون العقوبات" الذي ينص على أن "تعريض الطفل لأي سلوك جنسي، كملامسته أو حمله على ملامسة المتحرش جنسياً، بالاضافة إلى الأشكال الأخرى لاستغلاله عبر الصور الخلاعية والمواقع الإباحية، جريمة تتراوح عقوبتها بين الحبس مدة شهرين وعشر سنوات أو الاشغال الشاقة"، مشيرةً إلى انه "لا يوجد حالات كثيرة لهذه للجرائم في لبنان حالياً"!
"دار الطفل اللبناني": توعية الاهل ضرورة
بدورها، أوضحت جمعية "دار الطفل اللبناني" لـ"لبنان 24" إلى اننا "نسمع عن هذه الإستغلالات كثيراً، وهو أمر خطير جداً ومن المحتمل أن يحصل في لبنان لأن المواقع الالكترونية أصبحت منتشرة، لكن لم نشهد من خلال عملنا في الجمعية حتى الآن أية حالة مشابهة"، مؤكدةً أنه "من الضروري جداً توعية الأهالي على هذا الموضوع من خلال المحاضرات واللقاءات التوعوية والبرامج المكثفة التي من المهم أن تُنظم لحماية الاطفال من هذه الإعتداءات". وأضافت: "إن الجمعية لا تقوم بنشر أي صورة لأي طفل قبل أخذ الإذن من أولياء أمره".
"كفى": العنكبوت الإلكتروني وراءه عصابات مخفية
بدورها، شددت المسؤولة عن ملف الإستغلال الجنسي للاطفال في جمعية
"كفى" في حديث مع "لبنان 24" على أننا "بدأنا نسمع عن هذه الحالات حالياً بشكل أكبر، وخصوصاً عند التعامل مع الأطفال السوريين، إذ يقولون لنا إن هناك من يبعث لهم صور مركبة (صورة لوجههم مع جسد مركب) لاستفزازهم مادياً عبر "فيسبوك" و"واتس آب"، محذرةً من "أهمية تنبيه الطفل على حماية خصوصيته عبر حسابه الشخصي على مواقع التواصل الإجتماعي، بالإضافة إلى تحذيره من عدم قبول أي صديق لا يعرفه". وعن دور الأهل في الحد من هذه الظاهرة أو تجنبها، تشير إلى أن "أهمية الاهل تكمن في مراقبة أولادهم وتحذيرهم من عدم إعطاء أي معلومات شخصية عنه أو عن العائلة لأي شخص".
ولفتت ماريا إلى أن "العنكبوت الالكتروني يتخفى وراءه عدد من المافيات التي تستغل الطفولة والبراءة لاهداف ربحية"، مشيرةً إلى ان "جمعية "حماية الاطفال" بالتعاون مع قوى الامن لديها برنامج خاص للحد من الإستغلال الجنسي للاطفال، وذلك عبر رقم مخصص يُعطى للتبليغ في حال تعرض أي طفل للإساءة أو في حال لاحظ الأهل أي نوع من هذا القبيل".
لذا، وفي ظل التزايد الكبير في انتشار ظاهرة الإستغلال الجنسي للأطفال والاستخدام المتزايد للإنترنت في جميع أنحاء العالم، تبرز أهمية حماية الاطفال من الاستغلال، وهذا الأمر يحتاج تعاوناً دولياً لمكافحته، لأن شبكة الانترنت لا تعترف بالحدود الجغرافية للدول، كما يستلزم تشريعات محلية تحظّر ارتكاب أو تسهيل مثل هذه الجرائم، وتعاقب كل من يرتكبها عبر قوانين وتدابير عقابية رادعة.
(خاص "لبنان 24")