قد يكون طقس لبنان أكثر رحمة على اللبنانيين من المفترض بهم أن يكونوا مسؤولين عن شؤونهم ويسيّرون مصالحهم قبل أي شيء آخر.
وعلى رغم أن "شتوة" تشرين قد عرّت الجميع وبان المرج حتى قبل أن يذوب الثلج، إلاّ أنها لم تغضب بما فيه الكفاية، وأعطت لهؤلاء المسؤولين فترة سماح لمحاولة ستر عواراتهم قبل أن تفاجئهم وهم في أوضاع غير محببّة وغير منسجمة مع ما أكسبتهم إياه الأيام من ألقاب تتراوح بين "الدولة" و"المعالي" و"السعادة"، وهم غير مستحقين لها، وهي ألقاب ورثناها أبّاً عن جدّ من ذهنية خلع الألقاب من قبل سلطات الإحتلال، منذ أن كان لبنان مغلوباً على أمره.
وبين "شتوة" وأخرى تبقى الزبالة سيدة الطرقات من دون منازع، على رغم حديث الرئيس تمام سلام بأن ما تمّ تسريبه من فيديو النفايات مركّب ومفتعل، تبقى الحلول الممكنة داخل الأدراج المقفل عليها بإحكام حتى لا ترى النور، وقد تكون "الشتوة" المنتظرة أشد قساوة مما سبقها، خصوصاً أن توقعات الأرصاد الجوية تنذر بشتاء قارس وصعب، وقد تضاف إلى كارثة النفايات كوارث اشدّ وطأة على اللبنانيين المتروكين لأقدارهم ولصدفة تدبير شؤونهم بأيديهم.
وفي انتظار ما تخبئه الطبيعة من مفاجآت ينصرف المسؤولون إلى مراجعة حساباتهم، والتي تُقسّم وفق الأولويات على الشكل التالي:
50% مصالح خاصة.
20% مصالح طائفية.
20% مصالح فئوية ومناطقية، وما فيها من حسابات الربح والخسارة في الميزان الانتخابي.
5% مصالح عائلية وعشائرية.
4% مصالح "غب الطلب" وتحت خانة مصالح شتى وفق ما تمليه الظروف الطارئة، والتي لا تختلف عناوينها التفصيلية عما سبق من عناوين عريضة.
1% فقط تُخصّص لمصالح الناس، وهي من المفروض والمنطقي أن تحصد نسباً مئوية عالية.
فأمام هذا الشريح الصادم لنسب اهتمامات المسؤولين لم يعد للمواطنين سوى التمترس وراء خيار "كل واحد يقلع شوكو بأيدو"، وهذا ما ألمح إليه بالأمس رئيس "حزب الكتائب" النائب سامي الجميل، وهم في الأساس يتدبّرون أمورهم من دون أن يربحوا "جميلة" الدولة بمفهومها العامي للكلمة، والتي تُترجم من قبيل المزاح والتنكيت بشعار "وينيي الدولة"، وهي المغيّبة والنائية بالنفس عن معالجة أمور الناس.
فهل يُلام المواطن بعد اليوم إذا حاول تجنّب "الفوتة بالحيط"، وهل يُلام الذين يتحركون في الشارع ويحرّكونه في محاولة منهم للخروج من مجرور النفايات، وهم سينزلون هذه المرّة بـ "السلاح الأبيض".