كانت يدا العجوز تهتزان وهما تتكئان على عكاز خشبي، مشيته مترنحة، حسرته ظاهرة، يكبت ألمه في قلبه المتعب.. دخل قاعة المحكمة العسكرية متمنياً لو تكّذب عيناه ما ترى.. إنهما فلذتا كبده "محمد" و"سامر" يقفان في قفص الإتهام.
المهمّة التي حضر من أجلها الوالد العجوز تكاد تفقده صوابه، لم يتصور يومًا أن يكون شاهداً ضدّ ولديه القابعين في سجن رومية لتورطهما بدعاوى مخدرات.
اقترب الأب المنهك سميح منصور من المنصّة المثبتة أمام قوس المحكمة المخصّصة لسماع الإفادات، بعدما ناداه رئيس المحكمة العسكرية العميد خليل ابراهيم، ووقفت " كنّتاه " منار ومريم (زوجتا محمد وسامر) إلى يمينه في الجهة المقابلة لقفص الإتهام، لتشهدان أيضا على زوجيهما. إقترب "سامر" منحنياً أمام والده وقبّل يده اليمنى، ومثله حاول شقيقه "محمد" أن يفعل لكنّ غضب الوالد كان له بالمرصاد. صرخ الأب بوجهه :" أنت لا".. تراجع الإبن مكسوراً إلى الوراء لتبدأ الجلسة بسماع قصة الوالد:" سيدي القاضي، أتمنى أن تفهم وجعي، أنا أشعر بالذّل ..زوجتي تصارع السرطان بسببهما.. نعم، أنا والد "سامر" و"محمد" .. أولادي ذلّوا كرامتي. تصوّر أنني عجوز في السبعين دخلت إلى قاعة المحكمة لأشهد على أولادي الزعران.. لا، لا أنا ما عندي ولاد ما عندي".
مسح الوالد دموعه المنسكبة على خديه المجعّدين وتابع:" كانت الساعة السابعة مساء، حين قُرع باب البيت، فتحت حفيدتي وأخبرتني أنّ شخصاً يسأل عني، توجهت نحو الباب وسألته من أنت؟، فأجابني أنّ اسمه محمد سيف الدين، قال لي ما حرفيته "ابنك محمّد مفضّل علينا كتير يا حاج وبدي ابعتلو علبة أكل إلى السجن"، استلمت العلبة شكرته وطلبت من زوجته منار التي ستذهب لزيارته في اليوم التالي وترافقها سلفتها شيرين لزيارة زوجها "سامر" أيضاً، أن تأخذ العلبة معها، ليتضح لاحقا أنّ فيها كشكاً مخلوطاً بالمخدرات (البزكسول").
إفادتا منار زريق وشيرين عمّار(مدعى عليهما بإدخال مادة مخدرة إلى السجن)، لم تختلف عن إفادة حماهما الذي يعتصر ألماً، قالت الأولى "كل ذنبي أني حملت العلبة إلى زوجي بطلب من عمّي". أما الثانية فاتهمت"سلفها محمد" بتوريطهما في القضية كونه كان على معرفة بموضوع العبوة، وهو الذي اتصل بها وأخبرها أن شخصا سيرسل له " تبروير كشك".
سؤال رئيس المحكمة للعجوز المفجوع عن كيفية استلامه علبة وارسالها لإبنه من دون فتحها، عززت في صدق الأخير الذي أجاب:"للأسف أنا وثقت بالشاب"، فعقّب الإبن الموقوف محمد قائلاً: "ألم أطلب منك تفتيش العبوة يا أبي؟" فردّ الوالد على فلذة كبده بحرقة وألم يعبّر عنهما صوته المتقطّع: "أنت كذّاب ومجرم". في حين أكد المتهم "سامر" أنّ شقيقه "محمد" هو وراء كل الموضوع.
أمام هذا الجدل العائلي الصعب في رحاب المحكمة وعشرات الحضور، أجهشت زوجة بالبكاء، وعقبت: "لو فيه ذرّة شرف ما بيورط زوجته وزوجة خيو"، حينها أقسم "محمد" بأن منار وشيرين لا ذنب لهما وأنّ شقيقه بريء كذلك زميله في السجن حسين حمدان (كان محمد ادعى أن علبة الكشك له) بريء أيضا. وهنا سأله رئيس المحكمة هل تتعاطى المخدرات يا محمد فأجاب: "في الحرية نعم لكن في السجن لا".
ولدى إعطاء الكلمة الأخيرة للوالد قال باكياً :"لو فيه شرف ابني ما بذلني..أطلب منك أيها القاضي أن ترحمهما من أجلي وأجل والدتهما المريضة".
يذكر أن الأخوين منصور يحاكمان بدعوى أخرى اتهم فيها "سامر" بتسهيل فرار شقيقه "محمد" من السجن بعد توقيفه بجنايتي الإتجار بالمخدرات وترويجها ، والثاني بمقاومة رجال الأمن أثناء الوظيفة.
(خاص "
لبنان 24")