اعتاد المسؤولون في لبنان على إلقاء المسؤولية على الآخرين، الذين غالباً ما يكونون بصيغة الجمع والمجهول، وذلك تهرباً من تحمّل ولو جزءٍ يسير من المسؤولية الكبرى، المفترض أن تكون مشتركة، أقلّه على مستوى المشاركة في حكومة يُقال أنها تسهر على شؤون الناس وتحرص على تأمين الحدّ الأدنى من مقومات العيش بكرامة للجميع من دون إستثناء ومن دون تمييز.
فلو أخذنا مثلاً ملف النفايات وما رافقه من لغط ومزايدات ومغالطات وعراقيل لما توصّلنا إلى معرفة من يتحمّل مسؤولية بقاء النفايات في الشوارع، وبالتالي من يعرقل ومن يعارض ومن يستفيد.
ولكثرة ما تمّ تقاذف كرة النفايات، وما تخللها من تنصّل بالمسؤولية، ضاع المواطن ولم يعد قادراً على التميّيز بين من يقول الحقيقة ومن يغلّفها بشتّى أنواع المساحيق لتجميلها بعد التشوهات التي لحقت بها، نتيجة تصرفات أقلّ ما يقال فيها أنها رعناء، ولا تنمّ عن الحدّ الأدنى من تحمّل المسؤولية.
"الحقّ عليهم"، عبارة لا تغيب عن أي تصريح من تصريحات المسؤولين، ولكن لم يجرؤ أحد من هؤلاء على تسمية الأشياء بأسمائها، ولم يوضع الأصبع على الجرح، بل جلّ ما يفعلون هو الإمساك بيد المواطن الدامية، والتي تسبّب له الألم.
المواطن يريد أن يعرف صراحة ومن دون مواربة أو مداورة الحقّ مع من والحقّ على من، وهنا تضيع الطاسة وتضيع المسؤوليات بين هذا الوزير أو ذاك، وبين هذا المسؤول أو تلك الجهة، ودائماً يكون الـ "هو" ضميراً منفصلاً لا محلّ له من الإعراب في اللغة السياسية اللبنانية، حيث يكون هذا الـ "هو" المسؤول الأول والأخير عن معاناة الشعب اللبناني، ولكن لم نجد يوماً أن لهذا الـ "هو" هوية واضحة المعالم ومحدّدة ملامحه لتتمّ محاسبته.
وقد يكون القول الشهير، الذي أصبح مثلاّ يُضرب في عدم تحمّل المسؤولية وتجهيل المسؤول الحقيقي، "الحقّ على الطليان" خير دليل على تقاذف كرة المسؤولية بين هذا وذاك، من دون التوصّل إلى معرفة حقيقة الأمور.
وحده الحراك المدني وضع الأصبع على الجرح وقالها بالفمّ الملآن: "كلن يعني كلن"، وهكذا يكون شباب الحراك قد وضعوا الجميع في سلّة واحدة، من حيث تحميلهم مسؤولية مشتركة عن تحلّل البلاد وانهيار المؤسسات.