انفضّ مؤتمر فيينا على مجموعة سجالات حادة ومواقف تصعيدية بين ممثلي الدول المعنية بالأزمة السورية، لم يكن على مستوى الآمال بوقف نزيف الدم السوري. فهو لم يحرز تقدماً جدياً في مسار المعالجة أو فتح قنوات التفاوض بل اقتصر على المواجهات الديبلوماسية الحادة.
هذا على رغم كون الأطراف المعنية قد تجد أرضية للإنطلاق بمفاوضات جديّة أبرزها أن العناوين المطروحة على بساط البحث، أو ما يسمى إقرار المرحلة الإنتقالية وإعلان وقف إطلاق النار لمدة ستة أشهر، تبدو شبه مسلم بها عند الجميع. غير أن التشدد السعودي بعدم بقاء الرئيس بشار الاسد وربط مصير الرئاسة السورية بما يقرره الشعب السوري، ألمح إلى أن طبخة الحل السوري لم تنضج بالشكل الكافي عند أصحاب القرار، وبالتالي فسوريا مقبلة على مرحلة عصيبة للغاية يسودها القتال الشرس.
من مفارقات مؤتمر فيينا، التصعيد الكلامي والاتهامات المتبادلة بين لافروف والجبير داخل الجلسات المغلقة، والتي تمحورت جميعها حول سبل وكيفية القضاء على تنظيم "داعش" ومكافحة الإرهاب، مع العلم أن الجانب الروسي أبدى ليونة فائقة بمسألة إعطاء هامش واسع للجيش السوري الحر ميدانياً لملء الفراغ الذي تسببه الغارات الروسية المكثفة فوق أراضي نفوذ "داعش"، كي يدفع عنه تهمة الدفاع عن بشار الاسد والنظام السوري، هذا مع العلم أن الطرفين أبديا حرصاً مشتركاً على بقاء نوافذ الحوار مشرّعة لمزيد من المفاوضات والمشاورات بالمرحلة المقبلة.
ما يزيد حكماً من التشنج الإقليمي هو انتصار الزعيم التركي رجب طيب أردوغان الإنتخابي وحسم الغالبية المطلقة، والذي تتقاطع مطالبته بخلع الرئيس السوري بشار الأسد قبل البحث بتركيب السلطة السورية مع رغبة خليجية يقابلها تعنت من الفريق الآخر على بقاء الأسد والشروع بالبحث بكيفية إجتثاث "داعش"، كما محاربة المجموعات المتطرفة.
على أن القضية ليست هنا بقدر خطورة انعكاسات كل هذا التباين بالمواقف على الأرض، حيث تفيد معطيات الميدان السوري أن الأمور ذاهبة نحو الأسوأ قبل بروز مؤشرات حلول في الأفق طالما أن من يحسم الأمور على الأرض هو من سينطق بالكلمة الفصل بالنهاية.
فانطلاقاً من شعار ما أسماه النظام "وحدة الأراضي السورية" نظّمت وحدات الجيش السوري منذ اسبوعين حملة عسكرية حيث تخوض إشتباكات شرسة عند الطريق الدولية التي تربط محافظة حلب بمحافظتي حمص وحماه أي الوسط السوري، في منطقة خناصر- ثريا التي تكتسب أهمية استراتيجية، في حين يبدو أن تنظيم "داعش" لن يسلم بسهولة بفقدان السيطرة عليها، لذلك نفذ عمليتين إنتحاريتين لمنع وحدات النظام من التمركز الدائم. كما يطبق بالحصار على مطار "كويرس" العسكري في ريف حلب الشرقي ويعدّ العدة لسقوطه في سبيل تسجيل نصر ميداني على الأرض يرفع من معنويات مجموعاته بعد سلسلة التراجعات أمام ضربات الطلعات الجوية الروسية التي تكثفت بدورها وشملت مناطق جديدة في ريف دمشق ومحافظة درعا في الجنوب .
ولعل أبرز المؤشرات المقلقة ما صرّح به وزير الخارجية السعودي عادل الجبير على باب قاعة مؤتمر فيينا: "بشار الأسد سيسقط إن بعملية سياسية أو بعملية عسكرية"، الأمر الذي يزيد من حجم هذه المخاوف كما يطلق سيلاً من التكهنات.