يعقد مجلس النواب أولى جلساته التشريعية الأسبوع المقبل، بعد التوقف عنها لأشهر عديدة، تحت عنوان "تشريع الضرورة"، وبجدول اعمال غاب عنه ما كان يُفترض ان يكون بنده الاول والأخير، وهو انتخاب رئيس للجمهورية بعد ما يقارب السنة ونصف السنة من شغور مكلف بتداعياته السياسية على مستوى سدّة الرئاسة الاولى.
ولكن، وإن اتجهت الأنظار الى ساحة النجمة في انتظار الحدث، واستقطاب الجلستين المرتقبتين في ١٢ و١٣ تشرين الجاري حيّزاً كبيرا من الاهتمام حتى قبل انعقادهما، نظراً إلى ما تحملهما من آمال في اعادة الحركة السياسية الى احدى ابرز مؤسسات الدولة، إلّا ان موضوع الرئاسة يبقى فعلياً هو العنوان الأبرز في أذهان الناس، كما في انشغالات اهل الحكم، ولا بدّ للنواب من التطرق اليه خلال محادثاتهم وتعليقاتهم متى التأم المجلس.
وتكثر التحليلات والتكهنات حول ما اذا كان من حلّ متاح في هذا المجال، في غياب تسوية إقليمية تساعد على فرز القوى الداخلية، وتؤدي بالتالي إلى فرض رئيس على الساحة اللبنانية. وما دامت هكذا تسوية غير متوافرة، ومع استمرار "فيتو" 14 آذار ضدّ المرشح الأقوى العماد ميشال عون، مقابل إصرار الأخير على ترشّحه وتأييد "حزب الله" المطلق له، يبحث البعض عن معادلة قد تكون مقبولة من معظم الأطراف الداخلية، ولاتستفزّ بالتالي المحيط الإقليمي المنهمك على خلفية الصراع الإيراني-السعودي في المنطقة، فتكون مدخلاً لاتفاق داخلي حول الرئاسة الاولى في مهلة مقبولة لا تحتّم انتظار تبلور حلّ إقليمي في المنطقة.
وقد يكمن المخرج لازمة الرئاسة الاولى، كما يحاول البعض ترويجه، في انتاج مقاربة جديدة لهذا الملف، فيأتي حلّه عبر الاتفاق اولاً على الرئاسة الثالثة، وبالتحديد على رئيس تيار "المستقبل" سعد الحريري رئيساً للحكومة المقبلة، وفي ذلك مكسب كبير لفريق 14 آذار وللخط السعودي، وتكون في المقابل الرئاسة الاولى من حصة فريق 8 آذار. ولكن، وحتى في تبادل حصص من هذا النوع، تبقى حظوظ عون شبه معدومة نظراً إلى دعمه التام لـ"حزب الله"، وما يمثله ذلك من اتجاه إيراني من المستحيل ان يتقبله الفريق الآخر من جهة، ولان التعامل معه داخلياً يبدو مستعصياً لخصومه في السياسة من جهة اخرى، وهنا تبرز مفارقة أساسية بينه وبين ثاني مرشحي 8 آذار، أي سليمان فرنجية، ما يعطي هذا الأخير حظوظاً أوفر للوصول الى سدّة الرئاسة.
والمعلوم ان التزام رئيس تيار "المردة" بتحالفه مع النظام السوري نهائي ولا مساومة عليه، وهذا بالطبع لا يرضي الخط السعودي، ولا حلفاءه داخلياً. ولكن، في المقابل يعتبر البعض أن فريق ١٤ آذار قد يصل الى اقتناع بأن المواضيع ذات التداعيات الإقليمية، كبقاء او رحيل الرئيس السوري بشار الاسد، وموضوع سلاح "حزب الله" وقتال الحزب في سوريا، كل هذه الامور لا تحلها انتخابات رئاسية في لبنان، بل تقع معالجتها ضمن تسوية إقليمية لاحقة. وإذا اقتنع فريق 14 آذار بهذا المبدأ، يُصار الى تحويل الانتباه العام في موضوع الرئاسة من علاقات الرئيس العتيد مع المحيط الإقليمي إلى ما هو منتظر منه على مستوى الأداء الداخلي.
وفي هذا الإطار، يبدو أن فريق 14 آذار بغالبيته يفضّل، في حال خُيّر، التعامل مع فرنجية عن التعامل مع عون. ومن هنا تبرز المعادلة الداخلية المحتملة، كما يراها البعض، وتقضي بانتخاب فرنجية رئيساً للجمهورية مقابل تسمية الحريري رئيساً للحكومة. ويبدو انّ عودة الحريري الى لبنان لن تكون الا عبر بوابة السراي الحكومي، اذ ترى أوساط سياسية مطلعة أن ترؤس الحريري للحكومة المقبلة، اذا ما حصلت، سوف تؤمن له كل الظروف التي كان غيابها حتى الساعة هو العائق الأساسي امام عودته إلى البلاد. فالرئاسة الثالثة من شأنها ان توحّد تلقائياً "الصفوف المستقبلية" خلف رئيسها بعدما كثر الكلام عن تجاذبات داخلية داخل التيار. كذلك، فإن التعامل الإقليميي، وبالتحديد السعودي، مع الحريري، لا بدّ من ان يتطور ويتحسّن بعد كلام عن فتور بينه وبين المملكة العربية السعودية، اذ أن ما يستطيع الحريري تقديمه لحلفائه الإقليميين من السراي أفضل بكثير مما يمكنه توفيره لهم من بيت الوسط. وحتى أمن الحريري، الذي لطالما شكّل نقطة ضعف في اي مشروع لعودته، يكون أفضل حال وأقوى حصانة اذا قفل عائدا كرئيس حكومة في المرحلة المقبلة.
وعلى هذا الأساس، تبدو، في نظر هذا البعض، أن حظوظ مقايضة الرئاستين الاولى والثالثة بين فرنجية والحريري صيغة لا بأس بها.
وكانت قد انتشرت مؤخراً إشاعات عديدة حول فتور في العلاقات بين الرابية وبنشعي سببها التنافس على الرئاسة، وهي إشاعات تنفيها بقوة أوساط فرنجية، التي تردّ سبب الانزعاج بين الطرفين الى مواقف وظروف مختلفة، من التمديد لمجلس النواب الذي عارضه عون وأيدّه فرنجية، الى المظاهرات التي نظمها التيار ضد السلطة، وهو جزء منها، كما تقول الأوساط، ودعا اليها حلفاءه من دون التشاور المسبق معهم . ولكن هذه العلاقات، كما تقول هذه الأوساط، قد تحسّنت حالياً بين الجهتين، وأن التواصل قائم ومستمر بينهما، أقله على مستوى الكوادر، وتيار "المردة" يؤكد استمرار دعمه لترشيح عون للرئاسة. ولكن لا بدّ لهذا الملف ان يرخي بظلاله على العلاقة بين الرجلين. فالتنافس بينهما حتمي، حتى ولو لم يسعيا اليه. فهما المرشحان القويان من ضمن الفريق الواحد، وإن تقدّم عون على فرنجية مسيحياً وشعبياً، فيبقى فرنجية الأكثر مرونة داخلياً والأكثر قبولاً إقليمياً.