لدى سؤاله في مقابلة أجرتها معه صحيفة "الجمهورية": هل تجد نفسَك اليوم أقرب إلى "8 أو 14 آذار"؟ أجاب الرئيس نجيب ميقاتي: لم يعد هناك "8 و14 آذار"، ربما هي الحقيقة الساطعة التي لا يريد ان يعترف بها كل من الفريقين الآذاريين بعد سلسلة الاخفاقات التي وقعا فيها نتيجة انحيازهما إلى مشاريع تتخطى حدود الوطن ومصلحته، متكل كل منهما على أمجاد وتضحيات ممهورة بالشهادة والدم، نجحوا من خلالها في استدراج أنصارهم ومواليهم نحو التطرف والانقسام ورفض الأخر، إلا انهم لم يتنبهوا إلى ان "من حفر حفرة لأخيه" سيأتي يوم وسيقع فيها، وربما المشهد الحالي للوضع الداخلي اللبناني خير برهان على الحالة التي وصل إليها كل منهما.
فالمشهد السياسي لقوى 8 و14 آذار اليوم لا يشبه المشهد الذي صبغ الفترة الممتدة من العام2005 وحتى العام 2011، ففي تلك الفترة ارتفعت وتيرة الصراع بين الآذاريين إلى أعلى درجاتها آخذة صبغة طائفية مذهبية عنيفة أوقعت استقرار لبنان تحت وطأة نار لهيبها، ولم يستطع الغطاء الدولي حينها، سوى العمل على تسكينها عبر تسويات كان آخرها "اتفاق الدوحة" الذي لم يستطع معالجة صميم المشكلة بل العكس، فالانقسام الحاد بين فريقي 8 و14 آذار كان أقوى من أي تسوية، لارتباط أطرافه بخيارات خارجية متناقضة في مصالحها ومبتغاها من الورقة اللبنانية، باعتبارها حصانة لحلفائهم في المنطقة، ومن غير المسموح التهاون فيها أو السماح بانتزاعها من يدهم.
جاءت حكومة الرئيس ميقاتي في العام2011 مصحوبة بربيع عربي عاصف، لتنقل وجهة السير السياسية في لبنان الى مقلب وقالب جديد مختلف، فرضت من خلاله معادلة جديدة على الواقع السياسي اللبناني عنوانها "النأي بالنفس" التي شكلت أقوى "لا" للانصياع او الانحياز لأي من فريقي 8 و14 آذار اللذين وجدا في الربيع العربي الملاذ الآمن لفرض خياراتهم ولو من خارج الحدود على الداخل السياسي اللبناني، والذي برز بشكل جلي مع اندلاع الأزمة السورية. قرار الحكومة الميقاتية المتجاوز أحد مكونات الحكومة أي الثامن من آذار، ومن هم خارجها أي 14 آذار، شكّل شرارة الانطلاق الأولى نحو خروج معادلة "الوسطية" السياسية إلى النور، واللجوء اليها كمخرج آمن لمن تبقى من المتصارعين من كلا الفريقين الآذاريين لتأمين أرضية باردة يستطيعون من خلالها الاستفادة من شوط اضافي جديد، لعله يستطيع تحقيق انتصار على الأخر، الا ان حقيقة الامر ان "حساب الحقل لم يطابق حساب البيدر"، فالتعادل السلبي بين كلا الفريقين طيلة تلك الفترة وحتى اليوم، وما صاحبه من متغيرات خارجية بعد مرور الاتفاق النووي الايراني - الاميركي وتفاعل الدور الروسي على الخارطة الشرق أوسطية من خلال الساحة السورية ونسجه خيوط تواصل مع المتخاصمين الدوليين والاقليميين، شرّع الأبواب أمام تغييرات محتملة على ساحة المنطقة، وبالطبع لن يكون لبنان بمنأى عنها.
ان معظم القراءات السياسية مجتمعة على ان "الانتظار هو عنوان المرحلة في لبنان" وأن أي حلحة على مستوى استحقاقاته الدستورية ستبقى متوقفة على الحلحلة الخارجية لملفات المنطقة، لاسيما الملف السوري، لكن حقيقة الأمر هو ان لبنان يعيش اليوم مرحلة "خض" مقصودة لكل تركيبته السياسية سينتج عنها خلط أوراق جديد على الساحة السياسية اللبنانية، ستأتي بالتوازي مع ما يجري خلطه خارجياً على مستوى التسويات، وما التفكك الذي تعيشه قوى 8 و14 آذار والذي أبرزه التباين في مواقف مكوناتها في عدد من الإستحقاقات، أضف اليها جنوح عدد منها نحو غطاء الوسطية والسعي لتشكيل مجموعات تحت عناوين مختلفة، ليس سوى دليل قوي على هذا التوجه، ولكن ماذا سيكون عليه المشهد السياسي في المرحلة المقبلة؟ وهل وقع الآذارييون فعلاً في الفخ؟
هناك فرضيات عدة تطرح نفسها على ساحة التسويات الخارجية الا ان الحقيقة الملموسة حتى الساعة هو التنسيق الكامل بين القطبين الكبيرين الولايات المتحدة الأميركية وروسيا، مصحوباً بمحاباة ايرانية، وان على مضض، بحكم الحاجة لعبور الاتفاق النووي ونجاحه، وبالطبع على صورة ومثال هذا المشهد لن يكون لبنان خارجاً عنها، بالتالي ان نجاح روسيا في انتزاع الورقة السورية سيشكل خسارة للنفوذ الايراني "الصافي" في الورقة اللبنانية، الأمر الذي سيدفع بحليفها "حزب الله" إلى الالتفاف إلى الداخل اللبناني لاقتناص ما تيسر، ولكن هذه المرة عبر بوابة مؤسساته الدستورية باعتبار أن أمنه واستقراره مطلب وحاجة تتقاطع عندها مصالحه ومصالح الأطراف الأخرى لأسباب عدة، وربما هذا ما يفسر انفتاحه باتجاه طاولة الحوار ومن ثم مجلس النواب تحت عنوان تشريع الضرورة الذي فتحت أبوابه مؤخراً بقوة لاقرار اقتراحات ومشاريع القوانين المالية والمصرفية الملحة بحجة سمعة لبنان أمام المؤسسات الدولية، ولكن ما هو خافي قد يحمل ما هو أكثر من تشريع الضرورة إلى ضرورة تشريع مالم يكن في الحسبان وهو تعديل الدستور مع ما يحمله هذا التعديل من معاني، عبر منح صلاحيات أوسع لرئاسة الجمهورية تمهد تمرير انتخاب رئيس جمهورية "لا" آذاري، برعاية خارجية لن تغيب روسيا عن لعب دور رئيسي فيه، يقابله ولادة قانون انتخابات نيابية "مختلط" تفرز من خلاله قوى وتحالفات سياسية جديدة لا مكان فيها ايضاً للاصطفاف الآذاري .
(ميرفت ملحم ـ محام بالاستئناف)