في حين نرى أعداداً هائلة من اللبنانيين تتخلى عن هويتها سعياً منها وراء المجهول، ظناً منها أن هذا المجهول، على رغم ما فيه من غموض، يبقى أفضل حال من وطنهم الذي لم يعد تلك الجنّة أو "سويسرا الشرق"، وقد سمعنا كلاماً مخجلاً، لكثرة ما فيه من مرارة. وهذا الكلام قد يكون لسان حال كثيرين ممن باتوا يشعرون أنهم متروكون لأقدارهم وسط جبال من النفايات والأزمات التي لها أول وليس لها آخر.
وفي وقت يُخّيل للبعض أن إدراج قانون استعادة الجنسية على جدول أعمال الجلسة التشريعية قد يحلّ الأزمة، نرى الكثير من اللبنانيين الذين سُدّت في وجوههم سبل العيش الكريم في وطنهم، الذي يتلهى فيه مسؤولوه عن أموره الجوهرية ليغرقوا ويُغرقوا البلد بأطنان من النفايات، من غير أن تلوح في الأفق بوادر حلحلة، ناهيك عن المشاكل البيئية والصحية والاجتماعية والاقتصادية، التي لا عدّ لها ولا حصر.
قد تكون الصورة سوداوية، ولكنها أكثر من واقعية، بما في هذه الواقعية من مرارة وحسرة. إلاّ أن ذلك وبدلاً من أن يكون حافزاً للمسؤولين لمضاعفة الجهد لأبقاء الوضع على ثباته، نراهم ينأون بأنفسهم عن مشاكل الناس، وهم يعيشون وكأنهم في عالم آخر. فلا جلسات لمجلس الوزراء ولا سعي لإيجاد بعض الحلول، ولو مؤقتة، لما يعانيه المواطن، ولما يحفّزه على البقاء في أرضه ولا يفكّر في الهرب من واقعه إلى عالم آخر، يعتقد أن حاله ستكون فيه أفضل.
من قال لهؤلاء المسؤولين، وبالأخصّ للمسيحيين منهم، أن من هاجر قسرأ إلى أصقاع الدنيا سعياً وراء لقمة عيش غير مجبولة بالدم والعرق، أنه يريد استعادة جنسيته، وهو قد تخلّى عنها طواعية في اللحظة التي وطأت قدماه أرض الغربة، وهو يعيش فيها مطمئناً إلى غده ومستقبل عياله، بما يلقاه من عناية من الدول التي استضافته.
قد يكون في ما نقوله بعض من مبالغة، ولكن الأرقام تثبت صحّة هذه المبالغة، وهي أرقام تعبّر عن الواقع الذي يعيشه المغتربون، سواء في كندا أو استراليا أو البرازيل أو في اي بلد آخر قصده اللبنانيون، حيث لم يتجاوب مع حملة وزارة الخارجية والمغتربين لتسجيل أسماء الذين يرغبون في المشاركة في انتاج السلطة في وطنهم الأمّ، إلاّ القليل القليل، حيث لم تصل هذه الأرقام إلى ما يشفي الغليل.
وهذه الأرقام تثبت أن اللبناني المغترب، حيث هو، لا يربطه بوطنه سوى بعض من حنين، وهو يتحين الفرص المؤاتية ليزوره، ولو مرّة في حياته، ليعود إليه سائحاً، وليس للبقاء فيه.
حقيقة مرّة ولكنها واقعية.