بمعزل عن حركة الإتصالات والإجتماعات التي بدأت بين ممثلين عن تيار "المستقبل" والأحزاب المسيحية وما يمكن ان تؤول إليه في الساعات المقبلة لا تخفي مراجع روحية عليا وأخرى سياسية وحزبية مسيحية في قوى 14 آذار مخاوفها من احتمال أن تهتّز وحدة هذه القوى بقوة جرّاء التعديلات التي اقترحها تيار "المستقبل" على بعض المواد في مشروع قانون إستعادة الجنسية لللبنانيين المتحدرين من أصول لبنانية والمنتشرين في مختلف القارات.
ومصادر القلق مردّه إلى التعديلات التي تقدّم بها "التيار الأزرق"، التي جاءت لتخلط بين الحقّ باستعادة هذه الجنسية كما يقول بها مشروع القانون، وتجنيس المزيد من العائلات التي كونتّها الأم اللبنانية مع رجال من مختلف الدول العربية والغربية قبل أن تستوعب البلاد بعد التغييرات الديموغرافية التي أحدثها مرسوم التجنيس الشهير الصادر في 26 حزيران 1994، والتي استحق من خلالها عشرات الألوف من المجنسين بأكثريتهم الفلسطينية والسورية جنسياتهم اللبنانية بدءاً من 26 حزيران 2004 بمجرد عبور مهلة السنوات العشر، التي حددها المرسوم والتي احتسبت من تاريخ صدوره.
والأخطر في رأي أصحاب هذه المخاوف أن التعديلات التي اقترحها "المستقبل" قبل أيام على عتبة التحضيرات للجلسة التشريعية، التي من المحتمل أن تناقش مشروع القانون الجديد في ظروف أقّل ما يُقال فيها أنها غير طبيعية وفي توقيت مشبوه قد تؤدي إلى تفريغه من مضمونه، وهو المشروع الهادف إلى إستعادة بضعة آلاف لجنسيتهم اللبنانية الأصلية، وهم من العائلات اللبنانية المنتشرة في العالم التي يجري إحصاؤها منذ عقد ونصف من الزمن، تزامناً مع بداية التحضير للقانون المطروح على مجلس النواب قبل 14 عاماً تقريباً، ولتعيد إحياء موجة التجنيس لعشرات العائلات الفلسطينية والأردنية من أصول فلسطينية والسورية من أم لبنانية، وهم يُعدّون بعشرات الألوف قبل أن تضم لوائحهم مواطنين من مصر والعراق، فيما تُسجل بعض الحالات الفردية من آباء فرنسيين وبلجيك وروس ويونانيين وإسبان وايطاليين لا يزيد عددهم جميعا عن المئات فقط.
فمنذ أن أطلقت الرابطة المارونية مشروع استعادة الجنسية، ومعها المسؤولون في المؤسسة المارونية للإنتشار التي أنشئت لهذه الغاية، لم تتوقف محاولات العرقلة لمنع صدور هذا القانون تارة بالقول أنها ستحدث تغييرات ديمغرافية قد تعيد إلى لبنان عائلات شيعية تعيش في أكثريتها في الدول الافريقية، وهو أمر غير دقيق. فلم يتجاوز الشيعة اللبنانيون موسماً صيفياً أو عيداً ليكرّسوا حجم ارتباطهم وحضورهم الدائم في لبنان، وبالتالي هم يحتفظون بجنسيتهم اللبنانية. فيما الحقيقة تقول أن المشروع سيعيد إلى لوائح الشطب اللبنانية آلاف المسيحيين المنتشرين بكثافة في الأميركيتين وبعض الدول الأوروبية بعدما أجبرتهم موجات النزوح من جبل لبنان والبقاع والأطراف الأخرى جنوباً وشمالاً منذ الإحتلال العثماني والجوع الذي رافق سنوات الحرب العالمية الأولى، وصولاً الى الحروب المتنقلة على الأراضي اللبنانية وما رافقها من تهجير جماعي لم يسبق له مثيل بعدما دُمّرت قراهم في الجبل والبقاع وبعض الجنوب والبقاع الغربي.
كان ذلك قبل أن تتبنى مشروع القانون الأحزاب اللبنانية وتحديداً حزبي "الكتائب اللبنانية" و"القوات اللبنانية"، ومن بعدهما "التيار الوطني الحر"، الذي نشأ حديثاً على الساحة المسيحية، وهو أمر لم يغيّر في الواقع شيئآ. بدليل أنه وبمجرد التوافق بين "التيار" و"القوات" على إمرار المشروع في الجلسة التشريعية المقبلة بدعم بطريركي ماروني واضح حتى فوجىء الجميع بالمقترحات التي تقدم بها تيار "المستقبل" فأشعل الأجواء مجدداً بين الحلفاء في صفوف 14 آذار، وبعدما أحرجوا قيادة "القوات"، وقد استفاد منها "التيار الوطني الحر" لإستئناف هجومه على تيار "المستقبل" الذي زعم قادته بأنهم اوقفوا "العداد" حفاظا على مبدأ المناصفة بين المسلمين والمسيحيين في لبنان.
على كل حال، فالساعات المقبلة ستشهد المزيد من الإتصالات في أجواء رفع من وتيرتها المتشنجة موقف البطريرك الماروني في عظة الأحد، حيث توجّه مباشرة إلى أصحاب الإقتراح من قادة "المستقبل" عندما سأل عن أسباب "التردد بشأن البّت في المشروعين اللذين هما مطلبان وطنيان تصرّ عليهما كتل سياسية ونيابية مسيحية، واحدهما مشروع اقتراح قانون معجّل مكرّر خاص بتحديد شروط استعادة الجنسية المقدم منذ 2001. وزاد البطريرك في عظته ليكشف عن موقفه الممتعض من المقترحات بالسؤال الواضح الذي طرحه وهو يقول: "... لماذا عرقلة مشروع القانون بموادّ تختص باكتساب الجنسية؟" وأضاف: "إن استعادة الجنسية شيء ولها قانونها، واكتساب الجنسية شيء آخر يجب وضع قانون خاص به".
وبناء على ما تقدم يطرح السؤال بقوة: هل سيمضي تيار "المستقبل" بمقترحاته، وهو ما سيؤدي إلى أزمة جدّية بينه ومسيحيي 14 آذار بمختلف أطرافهم ومشاربهم أم انه سيتراجع عنها فيسحبها في اللحظات الأخيرة؟ قبل الجواب النهائي ثمة من يقول: أنهم باتوا على استعداد للتراجع عن اقتراح التجنيس للأبناء من أم لبنانية إذا لم يكن متوافقاً عليه بين الجميع. وعلى هذا الأساس لا يمكن البناء على هذا القول قبل ان تقول كتلة "المستقبل" موقفها النهائي اليوم. فلننتظر.
(خاص "لبنان 24")