لا يخفي البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي ارتياحه الممزوج بنوع من القلق، إذ لم تكتمل فرحته بحجم التنسيق المسيحي الذي سجلته الأيام القليلة الماضية في ملفي استعادة الجنسية وقانون الإنتخاب عشية الجلسة التشريعية التي دعا اليها رئيس مجلس النواب نبيه بري اليوم. وهو ما قرأه المطلعون في مواقف البطريرك من خلال عظاته الملتبسة التي يمكن تفسيرها على أكثر من جبهة وتوجه. فكيف ولماذا؟
فقد نقل زوار البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي عنه سروره بالثنائية العونية ـ القواتية، التي تعزّزت في الفترة الأخيرة وكادت تبلغ ذروتها لو اكتملت الصيغة لتضم القيادات المسيحية الأخرى، وليس على مستوى الأقطاب الأربعة فحسب. فهو الذي تبنى في يوم من الأيام لقاءهم سعياً وراء إنتاج رئيس جديد للجمهورية قبل أن تدخل البلاد سلسلة المهل الدستورية، فجمعهم في 19 حزيران 2013، على أمل أن ينجح في تدارك المخاطر التي كان يترقّبها قبل 13 شهراً على نهاية ولاية الرئيس السابق للجمهورية العماد ميشال سليمان فأصيب بسلسلة من الخيبات التي لم يكن سهلاً عليه هضمها وتجاوزها.
فقد واكب البطريرك الراعي باهتمام بالغ التحضيرات التي سبقت نهاية ولاية رئيس الجمهورية، واقترب من أن يشكّل مؤسسة يتربع على عرشها الأقطاب الأربعة وأنشأ إلى جانبها مؤسسات أخرى استشارية وأخرى متخصصة للدراسات على الطريق التي أرادها لمأسسة الهيكلية الإدارية والإقتصادية والتربوية والإجتماعية والصحية والفكرية وشؤون الإنتشار المارونية، من دون ان يتجاهل المكونات المسيحية الأخرى المنخرطة في إطار مجلس الأساقفة والمطارنة الكاثوليك. فربط بشبكة من المستشارين والأصدقاء مختلف الأطياف المسيحية آملاً في أن تنتقل إدارة شؤون الطائفة والمسيحيين في لبنان والمنطقة إلى مؤسسات تمّ ربطها بشبكة من العلاقات المتينة التي يمكن أن تعاونه في إدارة الشأن العام بعدما تعرّض مسيحيو العالم العربي بشكل خاص لما تعرضوا له من إضطهاد وعمليات اقتلاع من أرضهم وإبادة في بعض المناطق التي نشأوا فيها على مرّ التاريخ والعصور.
على هذه الخلفيات كان البطريرك الراعي يراقب التحركات المسيحية حذراً في تعاطيه مع نتائجها، فلم يكن حاسماً في المرحلة الأولى التي رافقت التنسيق بين "التيار الوطني الحر" و"القوات اللبنانية" لتوسيع بيكارها مرّة جديدة. وعلى رغم أنه أسمع موفدي "القوات" و"التيار" النائب ابراهيم كنعان وملحم رياشي يوم السبت الماضي، وقبلهما الدكتور سمير جعجع كلاماً حول ضرورة بناء شيء من مداميك الثقة بين الأحزاب والقوى المسيحية كافة، على رغم جدران الإصطفاف السياسي بين مكونات البلد بين 8 و14 آذار، وقد سّر لمّا علم في آخر لقاء مع كنعان ورياشي بانهما سيزوران بيت الكتائب في الصيفي للقاء رئيس الكتائب النائب سامي الجميل.
كان البطريرك الراعي ناصحاً في تلك اللحظات بالتفاهم على رسم خريطة طريق تتناول الإستحقاقات التي تفوق أهميتها قرار قانون استعادة الجنسية. فهو من بنى مداميك في القانون الجديد المطروح منذ 14 عاماً ورعى إنشاء المؤسسة المارونية للإنتشار إلى جانب البطريرك السابق مار نصرالله بطرس صفير والوزير السابق ميشال إده رئيساً للرابطة المنارونية ورئيساً دائما للمؤسسة، ويعرف بالأسماء وأدق التفاصيل انجازات المؤسسة المحدودة، التي حققتها في بعض بلدان الإنتشار، إلى مرحلة بات فيها متأكداً ان معظم المتحدرين من أصل لبناني نسوا الوطن الأمّ، وأن الجيل الثالث منهم لا يعرف أين هو لبنان على الخريطة الكونية.
وعلى رغم ذلك فإن البطريرك سيهنىء بما أنجز من دون شك، لكنه لن يغفر إذا لم يتطور التنسيق المسيحي والماروني إلى التفاهم على الرئيس العتيد للجمهورية، ايّاً كانت الظروف، على رغم معرفته بالعوائق التي تحول دون ذلك وطموحات المسيحيين الذين يتنافسون على فتات الحكم بعدما ضاعت معظم المؤسسات الرسمية منهم، وباتت بعض الوزارات خالية من وجودهم، فكيف بالنسبة الى الدوائر الرسمية المنتشرة في الجنوب والشمال والبقاع والجامعة اللبنانية الأمّ في الحدث، التي لا يوجد فيها أكثر من 18 % من طلابها مسيحيون، كما بالنسبة الى فروعها في المحافظات البعيدة عن العاصمة الخالية من أي أثر للموظفين والطلاب المسيحيين تقريبا.
على هذه الأسس يقول زوار الصرح أن البطريرك الراعي سيفكر من اليوم وصاعداً باسلوب جديد لإدارة الملفات الوطنية والسياسية، وإن لم تكن له أي مبادرة واضحة الى اليوم، فإنه سيشدد في المرحلة المقبلة على إدارة الشأن المسيحي بعيون أخرى غير تلك التي استخدمت إلى الآن فهل سينجح؟
(خاص "لبنان 24")