من أرض المأساة في حي عين السكة في برج البراجنة، يحاول الأهالي التعالي على جراحهم والتطلع إلى غد أفضل ترسمه تضحيات أبنائهم. هناك يرتفع علم لبنان شامخاً بفعل تضحيات شهداء هذا الوطن. شهداء وجرحى، أمهات ثكالى، أطفال باتوا يتامى في لحظات غادرة من عمر الزمن، وحيّاً سكنياً كاد يصبح أثراً بعد عين من هول الجريمة.
44 حكاية وجع وحلم دفنتها يد الإجرام في برج البراجنة بالأمس، وما يفوق عن مئتي شهادة حيّة على غدر مجرم نفذ جريمته متلطياً خلف شرائع دين منه برّاء.
من أرض برج البراجنة وعلى أنقاض المأساة يكون إصرار الفقير على العيش بكرامة، ومن على أبراجهم العالية يتوافد السياسيون متفقدين موقع الجريمة شاجبين ومستنكرين، ومن لم يزر موقع الجريمة بعد تراه يمهّد الأرض، لذلك خوفاً من غضب الناس وما قد يقولونه في لحظة قهر. من على أبراجهم أكدوا على أهمية الوحدة الوطنية لمواجهة الارهاب، وأن ما شهدته برج البراجنة سيسّهل الحلول السياسية في البلد، وكأن الحلول لا تكون حلولاً إلاّ عبر حصد المزيد من الشهداء.
في قراءة أولية، فإن الارهاب الذي ضرب في برج البراجنة لا يحصل خارج سياق لعبة الامم، بمعنى أنه خارج بالتأكيد عن سياق تخطيط وتنفيذ أفراد أو جماعات بمعزل عن دول داعمة.
قد يكون "حزب الله" قد توقّع مثل هذه العمليات بعد الذي حصل في الرقة، وهو لم يقلّل من خطورة الوضع داخلياً ولا قللّ من اجراءاته الامنية الاحترازية، لكن من الصعوبة بمكان توقيف شخص عابر في طريق أو الاشتباه بدراجة نارية في منطقة ترصدها كميرات حرس الحزب بدقة.
بالنسبة إلى "حزب الله" الرواية الكاملة لم تكتمل بعد. خيوط الجريمة تتجمع وما حصل كان حجمه مروع وقد فاق حجمه العمليات التي سبقت على رغم هولها.
منذ فترة، تدور حرب صامتة بين "حزب الله" والاجهزة الامنية من جهة والمجموعات الإرهابية من جهة مقابلة، ولاسيما بعدما تم رصد وتفكيك وتوقيف اشخاص ينتمون الى هذه التنظيمات، وبات بحكم المؤكد أن الارهاب يريد أن "يبطش " في مكان ما، مصرّاً على حصد أكبر عدد من الضحايا في صفوف الابرياء. فجاءت جريمة برج البراجنة. إنها معركة "حزب الله" الطويلة مع الارهاب، وهذا ثمن مدفوع الى حين تظهر التحقيقات معطيات أوضح.
ضربت "داعش" في برج البراجنة ضمن عملية لا يمكن فصلها عما يحصل في الرقة في سوريا. ليس الامر مرتبطاً بردّة فعل بقدر ما هو ضمن منظومة الفعل، وهذا الفعل له سياقه. "داعش" هي المنفذ ومن خلفها هناك محرك اقليمي ودولي عرابته اميركا ما يدفع الى التساؤل هل أُتخذ القرار فعلا بتوقيع لبنان في المعركة لان ورقتهم السورية واليمنية قد ضعفت؟.
أما الرد على ما حصل فسيكون في الميدان ثم الميدان، واذا تمّ ادخال لبنان في هذا الاتون فحينها تحلّ الكارثة.
(خاص "لبنان 24")